18 تشرين2/نوفمبر 2011
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم
أيها الحفل الكريم
يسعدني ويشرفني أن نلتقي معكم في هذا اليوم الأغر؛ لنحتفي ونحتفل معا بذكرى مولد سيد البشر، سيدنا ومولانا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فضل ليلة المولد:
وأول ما نذكِّر به في هذه المناسبة السعيدة هو أن ليلة مولده صلى الله عليه وسلم هي أفضل الليالي بما فيها ليلة القدر، فــ"لا ينبغي أن يختلف في تفضيلها على كل ليلة على الإطلاق، وإنما الكلام في تفضيل ما وافقها من ليالي كل سنة، قال محمد بنيس: وإذا ثبت أن ليلة ولادته التي ولد فيها – أو ولد في صبيحتها – أفضل الليالي واليوم الذي تسفر عنه أفضل الأيام فهو عيد وموسم؛ فيعظم ويحترم ويعمل فيه ما يدل على التعظيم والاحترام، كما اختاره الحافظان: الزين العراقي والجلال السيوطي.1)
وقال ابن عباد في رسالته: "وأما المولد فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين وموسم من مواسمهم"... انظر بقية كلامه(2).
واليوم وبعد مرور قرابة خمسة عشر قرنا على مولده صلى الله عليه وسلم؛ فإننا نرى أنه لا يجوز – بل ولا يُتصور – أن يعتقد أحد أن يوم مولده صلى الله عليه وسلم أقل شأنا من يوم نزول مائدة بني إسراءيل التي قال فيها تعلـى: } قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وءاخرنا وءاية منك {، أو من يوم عاشوراء الذي أغرق الله فيه فرعون ونجّى فيه موسى عليه السلام؛ فقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومونه، فسألهم، فقالوا: هذا اليوم أغرق الله فيه فرعون وأنجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله تعلى، فقال: «أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه».
فيستفاد منه فعل الشكر لله تعلى على ما منّ به في يوم معين؛ من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة(3).
وأي فضل وأي نعمة وأي رحمة أعظم أو أحق بالشكر والفرح من بروز سيد الوجود عليه الصلاة والسلام؛ }قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون{
حديثه أو حديث عنه يطربني هذا إذا غاب أو هـذا إذا حضرا
كلاهما حسن عندي أسـر به لكن أحلاهما ما وافق النظرا(4)
وقد جرى عمل المسلمين عامة – وأهل محبته صلى الله عليه وسلم خاصة – على تعظيم يوم مولده صلى الله عليه وسلم، والاحتفال والاحتفاء به، وإظهار المسرة، والإكثار من أعمال الخير والبر فيه، وعقد المجالس لإنشاد مديحه صلى الله عليه وسلم، وتدارس سيرته العطرة.
وقد استحسن المسلمون منذ زمن بعيد عمل المولد، وجعلوه عيدا من أعيادهم، وموسما من مواسمهم؛ وفي الحديث «ما رءاه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رءاه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء»(5)
فهذا اليوم - أعاده الله علينا وعلى المسلمين – مناسبة فريدة لإظهار الفرح والسرور والابتهاج بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنشاد مديحه، والتحدث بأخباره، وبما ظهر في سيرته من الآيات .. إلى غير ذلك مما يدل على التعظيم لذلك الجناب الكريم .
وقد استوفى العلماء قديما وحديثا القول في هذا الموضوع، وأجمعوا – إلا من شذ وهو قليل – على مشروعية عمل المولد النبوي، وأنه عيد من أعياد المسلمين، وصرحوا بجواز فعل كل ما يُشعر بالفرح والسرور فيه؛ قياسا على غيره من أوقات الفرح، ولم ينكروا من ذلك إلا ما اشتمل على محرم.
والحق أنه داخل في جملة البدع الحسنة، وله كثير من الشواهد من القرءان والحديث وعمل السلف الصالح.
وسنحاول في هذه العجالة أن نتحدث عن مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم من زوايا محددة؛ نرى اليوم ضرورة التركيز عليها والوقوف عندها، والتأمل في بعض مدلولاتها؛ إسهاما في إبراز علو مقامه عليه السلام، وسموه عن غيره من البشر، والمشاركة في الذب عن حريمه صلى الله عليه وسلم.
أولا: شرف أصله وطهارة نسبه صلى الله عليه وسلم
عن ابن عباس رضي الله تعلى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت روحه نورا بين يدي الله تعلى قبل أن يخلق ءادم بألفي عام.... إلى أن قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «.... فأهبطني الله في صلب ءادم وجعلني في صلب نوح وقذف بي في صلب إبراهيم ثم لم يزل الله تعلى ينقلني من الأصلاب الكريمة والأرحام الطاهرة حتى أخرجني من أبويّ لم يلتقيا على سفاح قط».
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل اختار خلقه فاختار منهم بني ءادم ثم اختار بني ءادم فاختار منهم العرب ثم اختار العرب فاختار منهم قريشا ثم اختار قريشا فاختار منهم بني هاشم ثم اختار بني هاشم فاختارني منهم فلم أزل خيارا من خيار ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم».
وعن ابن عباس رضي الله تعلى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعلى قسم الخلق قسمين فجعلني من خيرهم قسما فذلك قوله تعلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا وذلك قوله فأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون السابقون فأنا من السابقين وأنا خير السابقين ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني من خيرها قبيلة وذلك قوله تعلى }وجعلناكم شعوبا وقبائل{ الآية فأنا أتقى ولد ءادم وأكرمهم على الله ولا فخر ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني من خيرها بيتا فذلك قوله تعلى }إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت{».
وقال تعلى }لقد جاءكم رسول من أنفسكم{ ... وقرئ من أنفَــسكم.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعلى عنه، عنه صلى الله عليه وسلم في قوله تعلى من أنفسكم قال: «نسبا وصهرا وحسبا ليس في ءاباءي من لدن ءادم سفاح كلها نكاح».
وعن ابن عباس رضي الله تعلى عنهما في قوله تعلى } وتقلبك في الساجدين{ قال من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيا(6).
وعنه رضي الله تعلى عنه، عنه صلى الله عليه وسلم « لما خلق الله ءادم أهبطني في صلبه إلى الأرض وجعلني في صلب نوح في السفينة وقذف بي في النار في صلب إبراهيم ثم لم يزل ينقلني في الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة حتى أخرجني بين أبويَّ لم يلتقيا على سفاح قط».
ويشهد لهذا – ولما قبله - ما روي من حديث العباس بن عبد المطلب أنه قال: يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك قال: «قل لا يفضض الله فاك» فأنشأيقول:
من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يُخصف الورق
ثم هبـــــطت البلاد لا بشــــــر أنت ولا مضـــــــغة ولا عـلق
مطهرا تركــــب السفـــين وقد ألــــجم نســــرا وأهلــه الغرق
وردت نار الــــخليل مــــكتتما تجول فيها فلــــــــست تحترق
تنقل من صــالب إلى رحـــــم إذا مــــضى عالـــم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من خندف علـياء تحــتها الـنطق
وأنت لما ولدت أشرقت الـــــ أرض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي الـ ـنــور وســبل الرشاد نخترق
وقال ابن الكلبي: عددت للنبي صلى الله عليه وسلم ستمائة أم – وفي رواية خمسمائة أم – كلها من نكاح صحيح ليس فيها مما كانت الجاهلية تفعله شيء.
قال ابن حجر الهيثمي: الأحاديث مصرحة لفظا ومعنى أن ءاباءه – غير الأنبياء – وأمهاته صلى الله عليه وسلم إلى ءادم ليس فيهم كافر؛ لأن الكافر لا يقال فيه مختار ولا كريم ولا طاهر، بل نجس؛ وقد جاء في الأحاديث أن ءاباءه صلى الله عليه وسلم مختارون وأنهم كرام، وأن أمهاته صلى الله عليه وسلم طاهرات، وأيضا فهم إلى إسماعيل من أهل الفطرة، وهم في حكم المسلمين بنص قوله تعلى }وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا{ .
وقال الثعالبي في تفسير قوله تعلى }وجعلها كلمة باقية في عقبه{: والضمير في "وجعلها" عائد على كلمة التوحيد في قوله تعلى }إنني براء مما تعبدون{ قال: والمراد بالكلمة "لا إله إلا الله"... إلى أن قال والأولى بها بعد النبيئين جدوده صلى الله عليه وسلم.
وقد أوجز العلامة أحمد البدوي مجمل هذه المعاني في نظمه عمود النسب بقوله:
من مــــؤمنين مــــــتناكحينا خــــرج لا من مــــتسافحينا
ينقل من أصــــلاب طاهرينا لطاهــــرات من لـــدن أبينا
وكيف لا والمشركون نجس ومـــــن أذى نبيـــــنا مقدس
من ساجد لـــــــــساجد تقلبا صلى عليه الله ما هب الصبا
وجعل الدين عـــــمود نسبه كلمــــة باقيــــة في عـــــقبه
إلى أن قال:
والقول فيهم بــــخلاف هذا يأبـــــاه أنه الــــــنبي ءاذى
ولعن الإله مــــــــن ءاذاه في هذه الدار وفــــي أخراه
وسوف نفرد إن شاء الله حلقة خاصة لمراتب إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم .... وما ورد فيها من الوعيد.
يتواصل إن شاء الله.
الهوامش:
[*] أصل هذا البحث محاضرة أعدت سنة 1430هـ بمناسبة الذكرى 1483 لمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[1] الشيخ محمد الحسن بن أحمد الخديم – العذب الشهي المورد في تعظيم شهر المولد / درر الفوائد وغرر الشواهد / الطبعة الأولى 2008م / دار التسيسر للنشر والتوزيع ج 2 ص 78.
[2] نفس المرجع ص 78.
[3] نفس المرجع ص 83.
[4] عمر بن علي بن مرشد (ابن الفارض)
[5] أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، ووافقه الذهبي.
[6] كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض.

نحن الذين جعلنا من "سنيم" شيئا مذكورا..