alt

الحمد لله الذي أخرج من صفوفنا معاشر الشناقطة.. علماء أجلاء يخلصون لنا من أياد الزمن  الصائلة ما استلبته منا من مجد أثيل وخلق نبيل وعلم جزيل، حكمت لنا به من قبل الحقب التاريخية، وشهدت به الأمم الماضية، وازدهرت من أجله الملة الإسلامية، وانتشرت السنة النبوية،

وصينت الأحكام الشرعية، وحكمت الأدلة، وجعلت نصب الأعين الأمور الأخروية، ونبذت وراء الظهور الأمور الدنيوية، هكذا كان دأب أسلافنا الصالحين، وأجدادنا  الأقدمين، ولم يزل آباؤنا الأولون  رحمة الله عليهم يحذون حذو أسلافهم وويقتدون بهديهم فتتجلى في الأصاغر فضائل الأكابر وتلوح لوائح الأقدمين في شمائل المتأخرين ولم يزل  الحال هكذا إلى أن أجلب الهوى بخيله ورجله وهجم العدو بجنده وفكره فاحتل أفكارنا وأخلى من العلوم ديارنا واستخدم مواهبنا العلمية لأغراض فاسدة ومقاصد باطلة فعندئذ استلبوا منا العلوم الشرعية والأخلاق الإسلامية من حيث لا نشعر وأحلونا دار الجهل بمكرهم وكيدهم والناس في غفلة معرضون ولكن في المقابل لم تزل توجد جماعة من أجلائنا وكوكبة من علمائنا تحفظ  للمجتمع الشنقيطي مجده وينصر الله عز وجل جنده بعلومها النافعة وارشاداتها الحكيمة ومواعظها الحسنة فلله الحمد في الأولى والآخرة والصلاة والسلام على الصادق المصدوق الذي جاء بالصدق من عند بارئ البرية فمن صدق به واتبعه ((فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية)) وأما من اتبع هواه وكذب بما جاء به من عند مولاه ((فأمه هاوية وما أدريك ما هيه نار حامية)) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم

وبعد فإنه:  بينما جل أبناء العصر في غفلاتهم يلعبون لاهية قلوبهم عن معرفة ما هم به من الأحكام مطالبون والنوازل المشكلة والإشكالات المعضلة تترا، كلما نزلت نازلة كادت تفلت من قبضة أذهان علماء الزمن شواردها، وأوشكت أن تفوت أفهامهم أوابدها؛ إذ أبرزت إحدى القنوات الفضائية برنامجا سمته "فقه العصر"، وما أحوجنا والحال كما ذكرنا إلى فقه معاصر يواكب  مستجدات أمورنا ونوازل عصرنا، فبينا نحن تتعاورنا نشوة الرجاء وتثبيط الخوف؛ إذ راعنا اقتصار الدكتور/عادل بن أحمد باناعمه في محاورته لضيف البرنامج على ثلاثة محاور فقط لم تتضمن أي مناسبة تربط بينها وبين عنوانها الذي هو فقه العصر، وذلك أن المواضيع الثلاثة التي تناولتها المجموعة الأولى من حلقات البرنامج هي كالتالي:

الموضوع الأول: مفهوم أهل السنة والجماعة: وباستقراء النتائج التي تمخضت عنها المحاورة حول هذا الموضوع نتبين أن الموضوع في واد وأن العنوان في واد، وكذلك إذا ما عرجنا على الموضوع الثاني الذي هو:"البدعة وأحكامها": وهكذا الموضوع الثالث الذي هو: "صناعة الفقيه في المحاضر الموريتانية"، فلم يبق إلا أن المتحاورين ودعا العنوان عندما وضعاه منشدين بلسان حالهما:

فرجي الخير وانتظري إيابي      إذا ما القارظ العنزي ءابا

وواوجعا على ما انبعث  فينا من خيبة أمل كبيرة وقلق شديد سرعان ما غير تصورنا، وأثار أفكارنا ومشاعرنا، وما ظنك - والنتيجة كما رأيت - بشعور قلة قليلة من الناس مهتمين بأمور دينهم كيف يتعاملون مع هذا  البرنامج الذي  استحال كتابا، وقد كانوا يتحينون فرص الحوارات العلمية وينتقون خيرة المجالس التعليمية يتخيرون من العناوين ما هم بحاجة ماسة إلى محتواه، لا يكتفون بمجرد الاسم وإنما يبحثون عن مسماه، وذلك إذ نقبوا في البلاد هل يجدون من عالم يشفي غلتهم في نوازلهم ويبرئ علتهم في مسائلهم.. يتابعون حلقات البرنامج حلقة حلقة؛ إذ ظلت أعناقهم لها خاضعين، لا سيما وقد علموا أن ضيف البرنامج هو علم من أعلام شنقيط،  وبدر من بدورها، ونادرة من نوادرها، ودرة من نفائس دررها، استضاءت بأنوار علومه الجمة وفوائده القيمة حوالك الجهالة المدلهمة ودياجي الفتن الملمة، من خضعت لسطوة حفظه وقهر ذكائه  شوارد  العويصات، وأذعنت تحت وطأة فهمه نوافر المعضلات، العالم العلامة الحبر الفهامة سماحة الشيخ/ محمد الحسن بن الددو حفظه الله ورعاه وأطال بقاءه ونفعنا ببركته وعلمه وأفاض علينا أكثر وأكثر من فوائد فهمه ونوادر حفظه.

 هذا ولقد تضمنت هذه المجموعة بالإضافة إلى ما تضمنته من إفادات جليلة وفقهيات جزيلة أجوبة مريبة وحكايات غريبة، ربما بلغت أحيانا حد المستحيل مما يجعل المستمع إليها لا يكاد  يصدقها لولا شهرة قائلها بالصدق والأمانة، والبعد من الكذب والخيانة؛ إلا أنه كان من الجدير بالشيخ أن يبين للمشاهدين والقراء وجه صحة هذه الحكايات، ومراجع تلك الإجابات؛ كي لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الشك والحيرة، وكي يكونوا على بصيرة من مقصده هو أطال الله بقاءه بين ظهراني الأمة الإسلامية تجتني من قطوف علومه،  وتنهل من أنهار معارفه،  وتقتبس من أنوار فتاويه؛  بيد أن الشيخ على جلالة قدره وسعة علمه أتى بأمور مثيرة لا بد أن نتناول بعضها بالنقاش والتمحيص والنقد العلمي لئلا يسري دسمها على ما دس فيه من سم ناقع في عقائد العوام؛ إذ أن جلهم يعتقد أن فتاوى الشخصيات العلمية المرموقة - مهما كانت فتاويها-  جزء لا يتجزأ من الدين الإسلامي الخالص، وإن كان الشيخ لا يرى تتبع زلات العلماء أمرا مشروعا، إلا أننا ريثما نفرغ من هذا النقاش مقتدون بيحى بن معين رحمه الله في مقالته التي حكى عنه الضيف، فنقول إنا لنتكلم في قوم عسى أن يحطوا أرحلهم في الجنة بعد حين، ولكن أن يكونوا خصما لنا أحب إلينا من أن يكون رسول اللهr  خصما لنا، وقبل أن ندخل في صلب الموضوع والنقاش لا بأس لو نبهنا القراء على مسألة مهمة لا بد أن نلاحظها جميعا وهي: أن التنبيه على الخطإ أمر مغاير لسعة الاطلاع، والمعرفة والشهرة وكثرة الأتباع، وسمو المكانة لا يقتضي المشاركة في شيء من ذلك، ولكن لما كان الخطأ سائغا في حق غير المعصوم فما المانع من تنبيه المخطئ مهما كان بعد التأمل في القول لا في القائل ولا في شهرة الشهير وخمول الخامل.

 وانطلاقا من هذا المبدإ فليك حكم الحاكمين وتعليق المعلقين، وأما الحكم قبل التصور والتدقيق والتعليق على هذا وذاك دون التحقيق فهو من خلائق الجاهلين المغفلين والمتسيسين المثبطين، الذين لا يسع المشفق على الدين الإسلامي والمنهج الرباني  إلا الإعراض عنهم امتثالا لأمر بارئهم حيث يقول جل من قائل: ((خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين))  ورويدكم يا ذوي التعليق المسبق حتى يصدر هذا الكتاب الميمون إن شاء الله، فإن وافقت فيه الحق فهو ما تطلبون ((وإن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريىء مما تجرمون)).

وأما الآن  فقد حان الوقت وآن الأوان أن نتوجه بالنقاش تلقاء أولى حلقات هذا البرنامج مستعرضين بعض ما تضمنه من فتاوى الشيخ لنميز بين الشحم العلمي، والورم  الإعلامي من أجوبة الضيف على أسئلة الحلقة الأولى من حلقات البرنامج تحت عنوان "مفهوم أهل السنة والجماعة"

هذا وإننا لم نتتبع جميع الأخطاء التي اشتملت عليها هذه المجموعة احتراما منا واعترافا بما قال الشيخ من أن تتبع زلات العلماء غير مشروع كما قلدنا  يحى ابن معين في مقالته الآنفة الذكر ونرجو أن نكون بذلك قد اتخذنا سبيلا وسطا بين حكمي الشيخين، وقد اقتصرنا على تعليق موجز جدا بينا من خلاله للقراء نماذج من أخطاء جوهرية،  اشتملت عليها حلقات فقه العصر؛ ليحتاطوا لدينهم وليتبينوا في أمرهم فليس كل كتاب مرجعا، ولا كل مدور كعكا، وأما باقي الأخطاء فقد أرجأنا الرد عليه إلى أن يقتضي الحال ذلك متكلين على من لا حول ولا قوة إلا به وهو حسبنا ونعم الوكيل.

يتواصل:

مواضيع مشابهة:
أحدث المقالات

اضف تعليق


Security code
اعادة تنشيط

آراء حرة

اسمعوا أنينا من قبل أن..!؟

altنحن الذين جعلنا من "سنيم" شيئا مذكورا..

من عرقنا ارتوت..

وبجوعنا كبرت ..

مواضيع مشابهة:

مقترحات للمعارضة المقاطعة للحوار / محمد الأمين ولد الفاضل

altطالعت في بعض المواقع  بأن رؤساء أحزاب منسقية المعارضة اجتمعوا وطلبوا من الأحزاب المنخرطة في المنسقية بأن تُعِدَّ وتقدم مقترحاتها وتصوراتها للنشاطات المستقبلية للمنسقية، كل حزب على حدة، وبما أن هناك جمهورا طويلا عريضا يشارك المنسقية في أنشطتها، وليس له أي انتماء حزبي، وليست له هيئات تمثله لتقدم التصورات باسمه، لذلك فقد يكون من المناسب أن يتقدم من شاء من ذلك الجمهور بمقترحاته الشخصية، ومن هنا جاءت مقترحاتي الشخصية هذه:

مواضيع مشابهة:

ماتت الأغلبية .. عاشت المعاهدة!!

altقديما قيل : مات الملك ..عاش الملك.

حديثا قيل: ماتت الأغلبية..عاشت المعاهدة.

لن يكون إعلان ميلاد "المعاهدة من أجل التناوب السلمي" يوم أمس مجرد حدث سياسي عابر، فهذا الحدث لا يكتسب قيمته فقط  من مكانة الذين تعاهدوا، ولا من أهمية ما تعاهدوا عليه، بل يكتسبها من مفصلية اللحظة التي تم فيها إعلان ميلاد " المعاهدة من أجل التناوب السلمي"، والتي ربما تكون هي اللحظة نفسها التي ستموت فيها الأغلبية، حتى وإن كانت تلك الموت، لن ينظم لها "مجلس عزاء" مهيب في قصر المؤتمرات، أو في دار الشباب يتناسب مع الحفل المهيب الذي نُظِم لها يوم أعلن عن ميلادها.

مواضيع مشابهة:

فتاوى سياسية 3/3

altفي هذه الحلقة من الفتاوى السياسية سأحاول أن أجيب على ثلاثة أسئلة تم طرحها كثيرا، في الآونة الأخيرة، وهذه الأسئلة هي: أليست الاحتجاجات و الاعتصامات والمظاهرات المطالبة بالإصلاح أولى من تلك المطالبة برحيل رئيس منتخب كما هو حال رئيسنا الحالي؟ ألن يبرر شعار الرحيل المرفوع حاليا لمعارضة المستقبل بأن تطالب برحيل أي رئيس قادم من قبل أن يكمل مأموريته، وهكذا ندخل في دوامة ترحيل الرؤساء من قبل إكمال مأمورياتهم؟ ألا تشكل المطالبة برحيل النظام مخاطرة كبيرة قد تؤدي إلى فتنة في بلد كبلدنا، والذي تتعدد فيه الشرائح والأعراق، ويأتي فيه الولاء للوطن في الدرجة السادسة أو السابعة بعد الولاء للقبيلة وللايدولوجيا وللعرق وللشريحة وللجهة وللدول الشقيقة أو الصديقة حتى؟

مواضيع مشابهة:

رداً على ولد سيدي مولود / الإلزامات والتتبع (1) / محمد الأمين محمد المختار

  كان شيخ الإسلام مصطفى صبري - رحمه الله تعالى – وهو يجادل العقلية العلمانية التي غزت النخبة المصرية في عهده، لا يأسى على شيء مثل أسفه على حال غالبية القراء والمتابعين، الذين تسحرهم أساليب الكتّاب وبلاغتهم، فينساقون وراءهم في الأفكار المناهضة لمنطق العقل الإسلامي، الذي يفترض أن يكون هو المرجع للجميع، ولكن قدرة الكتّاب على التلاعب بالألفاظ والأساليب مع تثاقل القراء عن التحقق من المسائل العلمية في مظانها الأصيلة، جعل الأفكار المستوردة تجد طريقها السالكة إلى الانتشار والاستقرار، فيكتب محمد حسين هيكل عن "حياة محمد" (صلى الله عليه وسلم) (لاحظ الاسم مجردا مثل غيره من البشر)، وفيه يقرر بأسلوبه الأدبي الساحر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن سوى إنسان عبقري وقائد ذكي، أما المعجزات وأما النبوة فتلك أفكار غيبية لا تتلاءم مع عقلانية القرن العشرين، ويكتب طه حسين بسحره وبيانه عن "ما شجر بين الصحابة" فيبعث الفتنة النائمة من رقادها، ويُجرّئ العوام على الخوض في أصحاب خير البرية رضوان الله عليهم.

مواضيع مشابهة:

آخر التعليقات

  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    نثمن عاليامجهودات القائمين على موقع التيسير الثقافي المبارك ونلتمس منهم الإسراع في نشر الحلقات المتبقية من هذا الكتاب الجيد الذي كانت الساحة العلمية والثقافية في أمس الحاجة اليه وشكرا جزيلا
    بواسطة محمد
  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    جزاكم الله خيرا علي نشركم لهذالبحث الذي هو حقا فضل من الله تعالي علي هذه الامة المباركة وأطلب من المؤلف أن يهدي منه نسخة (...) لعلي الله أن يهديه بها ان هو طالعها وجزي الله المؤلف كل خير علي هذالعمل الذي ادخره الله له ليكون نبراسا للطيبين ودامغا للمرجفين وحجة في التوسل بجاه سيد الاولين والاخرين
    بواسطة الحاجي
  • السلفيون في تونس / محمد كريشان...
    لا أدري سبب عدم نشر مقالات الكاتب مصطفى قطبي فقد كنا ننتظرها بفارغ الصبر.ونأمل من إدارة التيسير أن تنشر جديد الكاتب لأهمية الحمولة الفكرية والثقافية التي تتميز بها كتاباته ودراساته.
    بواسطة الشيخ مختار الحاتمي