29 تشرين2/نوفمبر 2011
ثانيا- عظم قدره صلى الله عليه وسلم عند الله تعلى
قال القاضي عياض: لا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم أكرم البشر، وسيد ولد ءادم، وأفضل الناس منزلة عند الله، وأعلاهم درجة، وأقربهم زلفى.
وفي كتاب الله العزيز ءايات كثيرة، مفصحة بجميل ذكره صلى الله عليه وسلم، وعدِّ محاسنه، وتعظيم أمره، وتنويه قدره؛
فمن ذلك قوله تعلى: ]لقد جاءكم رسول من انفسكم[ وقرأ بعضهم من انفَسكم بفتح السين، وقال تعلى: ]من يطع الرسول فقد اطاع الله[.
وسماه تعلى: نورا وسراجا منيرا؛ قال تعلى: ]مثل نوره كمشكاة - جاءكم من الله نور وكتاب مبين - إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا[.
وسماه بالعديد من أسمائه تعلى في أكثر من ءاية؛ فسماه رءوفا رحيما وحقا ومبينا ونورا وشهيدا وعظيما وخبيرا ومهيمنا وفاتحا وخاتما وشكورا، وسماه أحمد ومحمد.
وقرن اسمه باسمه في كلمة الإخلاص، ونداء الصلاة؛ وذلك قوله تعلى ]ورفعنا لك ذكرك[؛ قيل إذا ذكرت ذكرت معي في قول لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقيل في الأذان والإقامة.
وقد قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:
أغرُّ عليه بالـــــــــنبوءة خــاتم مـــن الله بـــرهان يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشـــق له من اســـــــمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
وأقسم بعظيم قدره في قوله تعلى: ]لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون[؛ اتفق أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله جل جلاله بمدة حياة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل إنه كذلك في ق، والنجم، والفجر، والنجم الثاقب؛ أنه محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخبر تعلى بصلاته وصلاة ملائكته عليه، وأمر كافة المومنين بها؛ فقال ]إن الله وملئكته يصلون على النبيء يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما[.
وأوجب تعظيمه وتوقيره وبره ومحبته والثناء عليه ونصرته وكف من يذمه، وجعل إيمان عبده متوقفا على كل ذلك؛
قال تعلى: ]إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتومنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه[، وقال تعلى: ]يا أيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله - يا أيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيء[.
وقال تعلى: ]لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا[.
ومن أبرز الأدلة على عظم قدره صلى الله عليه وسلم وكرمه عند الله ما روي عن سريح بن يونس أنه قال: «إن ملئكة سياحين عبادتهم على كل دار فيها أحمد أو محمد إكراما منهم لمحمد صلى عليه وسلم».
ويكفي حضا وتنبيها وحجة على إلزام محبته صلى الله عليه وسلم ووجوبها، وعظم خطرها، واستحقاقه صلى الله عليه وسلم لها؛ قول الله تعلى: ]قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله....[ الآية.
وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين».
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، فقال عمر والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم الآن يا عمر».
وقد لخص الشيخ محمد الحسن بن أحمد الخديم هذه المعاني في قوله:
هذا وتعظيم النبي الهـــادي وجوبـــه على العبــــــاد بــاد
وأن يحبوه فحب المصطفى إيمـــاننا علـــــيه قــــد توقـــفا
ودون أن يثنى عليه لا يتـم الاسلام والنصر له فرض حتم
وأن يكف عنه من ذما يـؤم من لم يكـــفه يـــكن كمن يذم..
وقد أخذ الله تعلى العهد على أنبيائه بالإيمان به، ونصرته، واستشهدهم على ذلك وشهد عليه؛ فقال تعلى: ]وإذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتومنن به ولتنصرنه قال ءاقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين[؛ قال المفسرون: أخذ الله الميثاق بالوحي؛ فلم يبعث نبيا إلا ذكر له محمدا، ونعته، وأخذ ميثاقه إن أدركه ليومنن به، وقيل أن يبينه لقومه، ويأخذ ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم.
قال بعضهم ومن فضله أن الله تعلى خاطب الأنبياء بأسمائهم؛ يا ءادم، يا نوح، يا داوود، وخاطبه صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة في كتابه: ]يأيها النبيء - يأيها الرسول[.
وجعله الله تعلى السبب لإيجاد الكائنات، ووسيلة وشفيعا لجميع خلقه في الدنيا والآخرة، من لدن أبينا آدم عليه السلام إلى يوم القيامة؛
فقد ورد في دعاء أبينا ءادم عليه السلام أنه قال: "اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي" ويروى "وتقبل توبتي"؛ فقال له الله: من أين عرفت محمدا؟ قال: "رأيت في كل موضع من الجنة مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله" ويروى "محمد عبدي ورسولي؛ فعلمت أنه أكرم خلقك عليك"، فتاب الله عليه وغفر له، وهذا عند قائله تأويل قوله تعلى: ]فتلقى ءادم من ربه كلمات[، وفي رواية أخرى: قال ءادم: "لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ فعلمت أنه ليس أحد أعظم قدرا عندك ممن جعلت اسمه مع اسمك"، فأوحى الله إليه: وعزتي وجلالي إنه لآخر النبيئين من ذريتك، ولولاه ما خلقتك.
قال وكان ءادم يكنى بأبي محمد، وقيل بأبي البشر.
وفضله تعلى بالشفاعة والمقام المحمود؛ فقال: ]عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا[؛ فعن أبي هريرة «سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني قوله عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا - فقال: الشفاعة».
وعن ءادم بن علي قال: سمعت ابن عمر يقول إن الناس يصيرون يوم القيامة جثىً؛ كل أمة تتبع نبيها، يقولون يا فلان اشفع لنا يا فلان اشفع لنا حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود.
وحديث الشفاعة مشهور في كتب الحديث؛ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داوود وابن ماجه، ولفظ البخاري:
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي دَعْوَةٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً وَقَالَ أَنَا سَيِّدُ الْقَوْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَلْ تَدْرُونَ بِمَنْ يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ أَلاَ تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ إِلَى مَا بَلَغَكُمْ أَلاَ تَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ أَبُوكُمْ آدَمُ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ أَلاَ تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا فَيَقُولُ رَبِّي غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلاَ يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وَنَهَانِي ، عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا أَلاَ تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلاَ يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ نَفْسِي نَفْسِي ائْتُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيَأْتُونِي فَأَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَهُ.
يتواصل إن شاء الله

نحن الذين جعلنا من "سنيم" شيئا مذكورا..