alt                                 (الملاحظتان: الأولى والثانية)

الملاحظة الأولى:  تتعلق بنظمه بدعية الطلاق البدعي في سلك البدعة  الاصطلاحية بعد أن أنكرتها معايير تعريفها ورمت بها أمواج حدها، وذلك أن الطلاق البدعي إنما وضعه الفقهاء معرفا هكذا ليقابلوا به الطلاق السني، ومفاد مرادهم

بهاتين النسبتين أن إذن السنة النبوية في طلقة واحدة في طهر لم تمس فيه المطلقة.. أمر اكتسب به هذا النوع من الطلاق هذه الإضافة التشريفية والعلاقة النسبية، وأما ما سوى هذا من الطلقات فبما خالف الإذن السني والنهج الشرعي أصبح ينتسب إلى البدعة لا بمضاهاته للعبادة ولا بمبالغة فاعله في القربة ولكن بمحض مخالفة السنة..

فشتان ما بين اليزيدين في الندى    يزيد سليم والأغر بن حاتم

ولعل السنة والبدعة بهذا المعنى الآنف الذكر لا تخضعان للقصر على جانب العبادات فحسب، بل تتعدى كل منهما إلى طور المعاملات والعادات؛ لأن المعني بهما الآن كما هو الظاهر إنما هو مخالفة الشرع وموافقته..

وما دام الأمر كذلك فلا وجه لقصر الشيخ للبدعة بالمعنى الفقهي المذكور  على الطلاق؛  لأن الموافقة والمخالفة لا يخلوا من إحداهما نوع من أنواع المعاملات، ولا صنف من أصناف العادات، وانطلاقا مما تقدم فكل أمر ما خالف أو وافق الشرع يمكن أن نصفه بالسنية من حيث الموافقة، وأن نصفه بالبدعية من حيث المخالفة، ولعل الفقهاء لاحظوا ذلك حين أطلقوا على الطلاق المأذون فيه طلاق السنة وسموا غيره طلاق البدعة، وبذا تعلم أن تقييد الشيخ لإطلاق عدم دخول البدعة الاصطلاحية في مسائل المعاملات بهذه المسألة بعينها.. تقييد بمسالة أجنبية، ومعلوم أن التقييد بالمسائل الأجنبية لا تأثير له على الأمور العمومية .

الملاحظة الثانية: وهي حول مسألة مريبة حيرت عقول فئة عظيمة من الناس كانت تربأ بمثل فضيلة الشيخ عن مثلها، وهي ما وقع فيه من عدم التريث والتحري في رواية الحديث الشريف، وهو هو؛ علما وورعا.. ومعرفة ودينا.. وسمتا وشهرة.. وحفظا ورواية.. تقلده فئام كثيرة من بينها شخصيات شهيرة أصبحت أقواله لديها حجة مسلمة، وأفعاله سنة متبعة، الحق عندهم ما قاله، والحكم الفيصل عندهم في المسائل الخلافية حكمه، والمنتهى إليه في جميع أمورهم علمه، يفزعون إليه بدائهم العضال فرارا من ذوي الشعوذة الشيطانية والخرافات الظلمانية.. رغبة في العلاجات الإسلامية والرقية الشرعية، لم يجدوا من دونه لحلهم وعقدهم ملتحدا (يحسبونه كذلك ولا يزكون على الله أحدا)، وإنا نحن الآخرون رغم ما نكنه له من التقدير الذي لا يسعه حد التعبير؛ نبدي عجبنا من تعامل سماحته مع بعض الأحاديث النبوية، فتارة نراه يضعف حديثا أطبقت أئمة الحفاظ على صحته، كما نراه يدرج زيادة أخرى في حديث آخر؛ ليعزو الجميع للصحيحين -مثلا- كما فعل حين قال إنه صح في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"قريش قادة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة" فقول الشيخ: "إلى يوم القيامة" زيادة صريحة على ما في الصحيحين، وقوله "قريش قادة الناس" رواية بالمعنى؛ لأن الموجود في الصحيحين إنما هو "الناس تبع لقريش في الخير والشر" ولقد  ورد فيهما هذا الحديث هكذا، دون تلك الزيادة التي أضاف إليه الشيخ، ولقد كان جديرا بفضيلته -حفظه الله- أن يبين ذلك كي يسلم من الوعيد الشديد المترتب على التقول على النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما إذا كان على مستوى عال من سعة المعرفة ودقة الحفظ والرواية؛ مما  لم يترك مجالا للشك في أنه يعلم مدى خطر ذلك، كما لم تترك دقة معرفته بالأحاديث النبوية مجالا للشك في عدم إمكانية أن يلتبس عليه ما في الصحيحين مع ما ليس فيهما.

 واسمحوا لي أيها القراء، ويا من تبوأت شخصية الشيخ صدارة التقدير في أفئدتكم.. إذا ما أغلظت القول أحيانا، أو أسندت إلى جناب سماحته ما لا يليق في رأيكم، فإني وإياكم في سبيل تقديره سواء.. أكن له مثل ما تكنُّون، وأقدره كما تقدرون؛ بيد أني ربما أرى -كما رأيتم- تلبيسا متعمدا -لا محالة- في متن الحديث الشريف، فأقارن بين الحرمتين: حرمة الحديث، وحرمة الشيخ التي إنما نالها بالاتصاف بمعرفة الأحاديث النبوية، واتباع السنة، وذود الأحاديث الموضوعة عن حمى الأحاديث الصحيحة؛ فعندئذ لا بد أن تتعاظم الحرمة النبوية في ضميري حتى تجعل العظيم في عيني صغيرا، والجليل حقيرا، فلا أبالي حينئذ بالمخاطب إلا ريثما أسند إليه ما أملاه المقام، واقتضاه الشرع من تهويل وتشديد، وإدانة وتنديد، هذا مع أني التمست له أحسن المخارج في قوله "قريش قادة الناس في الخير والشر" إذ حملتها على أنها التبست عليه مع قوله صلى الله عليه وسلم "الناس تبع لقريش" لاتحاد معنى الحديثين، والالتباس سائغ في حق غير المعصوم يرتفع عنه به الإثم؛ لأنه من قبيل الخطإ، وأما الزيادة التي ساقها كشاهد على استغراق الزمان وهي قوله: "إلى يوم القيمة" فلم أجد لادعاء كونها في الصحيحين محملا مطلقا، وربما أودى وضوح تعمدها بالمحمل الذي ذكرناه قبل قليل والله على ما نقول وكيل.

 نعم ورد حديث في سنن الترمذي بلفظ قريب من  لفظ الحديث الذي ذكر الشيخ  وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة" ويمكن أن يلتمس للشيخ من خلال ما في الترمذي  مخرج التباسي آخر، إلا أن عدم التماس أحسن المخارج للمحدث أولى حماية للسنة المطهرة، وصيانة للشريعة الناصعة من تلبيسات الملبسين وتحريفات المحرفين.

مواضيع مشابهة:
أحدث المقالات

التعليقات  

 
0 #1 محمدن 2011-12-10 02:31
لاحك ايج بقية رداباعلي فقه الغصر
اقتباس
 
 
0 #2 محمدن 2011-12-12 13:03
اباول الحسين صاحب القلم فقدعودنا علي الدفاع عن الحق ولذب عن حمي السنة كمافعل مع العلامة بداه ولد البصير ومع محمدسالم ولد عدود
فاصبرلعادتك التي عودتنا@وإلافأرش دناإلي من نذهب
اقتباس
 
 
0 #3 مسلم 2011-12-12 13:25
لإسراع لإسرع ببقية رداباعلي فقه العصر فهاتان الملاحظتان واضح وجه الخطإ فيهما
اقتباس
 
 
0 #4 عبدالله بن أحمدو 2011-12-24 13:09
الرجآء الإسراع ببقية رد العلامة، فقد عودنا هذا العلامة علي الذب عن سنة رسول الله(ص) فلطالما تصدي لكل من يحاول إلصاق ماليس في السنة بها، وكل من أراد شرا بالإسلام، جازاه الله عنا خيرا.
اقتباس
 

اضف تعليق


Security code
اعادة تنشيط

آراء حرة

اسمعوا أنينا من قبل أن..!؟

altنحن الذين جعلنا من "سنيم" شيئا مذكورا..

من عرقنا ارتوت..

وبجوعنا كبرت ..

مواضيع مشابهة:

مقترحات للمعارضة المقاطعة للحوار / محمد الأمين ولد الفاضل

altطالعت في بعض المواقع  بأن رؤساء أحزاب منسقية المعارضة اجتمعوا وطلبوا من الأحزاب المنخرطة في المنسقية بأن تُعِدَّ وتقدم مقترحاتها وتصوراتها للنشاطات المستقبلية للمنسقية، كل حزب على حدة، وبما أن هناك جمهورا طويلا عريضا يشارك المنسقية في أنشطتها، وليس له أي انتماء حزبي، وليست له هيئات تمثله لتقدم التصورات باسمه، لذلك فقد يكون من المناسب أن يتقدم من شاء من ذلك الجمهور بمقترحاته الشخصية، ومن هنا جاءت مقترحاتي الشخصية هذه:

مواضيع مشابهة:

ماتت الأغلبية .. عاشت المعاهدة!!

altقديما قيل : مات الملك ..عاش الملك.

حديثا قيل: ماتت الأغلبية..عاشت المعاهدة.

لن يكون إعلان ميلاد "المعاهدة من أجل التناوب السلمي" يوم أمس مجرد حدث سياسي عابر، فهذا الحدث لا يكتسب قيمته فقط  من مكانة الذين تعاهدوا، ولا من أهمية ما تعاهدوا عليه، بل يكتسبها من مفصلية اللحظة التي تم فيها إعلان ميلاد " المعاهدة من أجل التناوب السلمي"، والتي ربما تكون هي اللحظة نفسها التي ستموت فيها الأغلبية، حتى وإن كانت تلك الموت، لن ينظم لها "مجلس عزاء" مهيب في قصر المؤتمرات، أو في دار الشباب يتناسب مع الحفل المهيب الذي نُظِم لها يوم أعلن عن ميلادها.

مواضيع مشابهة:

فتاوى سياسية 3/3

altفي هذه الحلقة من الفتاوى السياسية سأحاول أن أجيب على ثلاثة أسئلة تم طرحها كثيرا، في الآونة الأخيرة، وهذه الأسئلة هي: أليست الاحتجاجات و الاعتصامات والمظاهرات المطالبة بالإصلاح أولى من تلك المطالبة برحيل رئيس منتخب كما هو حال رئيسنا الحالي؟ ألن يبرر شعار الرحيل المرفوع حاليا لمعارضة المستقبل بأن تطالب برحيل أي رئيس قادم من قبل أن يكمل مأموريته، وهكذا ندخل في دوامة ترحيل الرؤساء من قبل إكمال مأمورياتهم؟ ألا تشكل المطالبة برحيل النظام مخاطرة كبيرة قد تؤدي إلى فتنة في بلد كبلدنا، والذي تتعدد فيه الشرائح والأعراق، ويأتي فيه الولاء للوطن في الدرجة السادسة أو السابعة بعد الولاء للقبيلة وللايدولوجيا وللعرق وللشريحة وللجهة وللدول الشقيقة أو الصديقة حتى؟

مواضيع مشابهة:

رداً على ولد سيدي مولود / الإلزامات والتتبع (1) / محمد الأمين محمد المختار

  كان شيخ الإسلام مصطفى صبري - رحمه الله تعالى – وهو يجادل العقلية العلمانية التي غزت النخبة المصرية في عهده، لا يأسى على شيء مثل أسفه على حال غالبية القراء والمتابعين، الذين تسحرهم أساليب الكتّاب وبلاغتهم، فينساقون وراءهم في الأفكار المناهضة لمنطق العقل الإسلامي، الذي يفترض أن يكون هو المرجع للجميع، ولكن قدرة الكتّاب على التلاعب بالألفاظ والأساليب مع تثاقل القراء عن التحقق من المسائل العلمية في مظانها الأصيلة، جعل الأفكار المستوردة تجد طريقها السالكة إلى الانتشار والاستقرار، فيكتب محمد حسين هيكل عن "حياة محمد" (صلى الله عليه وسلم) (لاحظ الاسم مجردا مثل غيره من البشر)، وفيه يقرر بأسلوبه الأدبي الساحر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن سوى إنسان عبقري وقائد ذكي، أما المعجزات وأما النبوة فتلك أفكار غيبية لا تتلاءم مع عقلانية القرن العشرين، ويكتب طه حسين بسحره وبيانه عن "ما شجر بين الصحابة" فيبعث الفتنة النائمة من رقادها، ويُجرّئ العوام على الخوض في أصحاب خير البرية رضوان الله عليهم.

مواضيع مشابهة:

آخر التعليقات

  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    نثمن عاليامجهودات القائمين على موقع التيسير الثقافي المبارك ونلتمس منهم الإسراع في نشر الحلقات المتبقية من هذا الكتاب الجيد الذي كانت الساحة العلمية والثقافية في أمس الحاجة اليه وشكرا جزيلا
    بواسطة محمد
  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    جزاكم الله خيرا علي نشركم لهذالبحث الذي هو حقا فضل من الله تعالي علي هذه الامة المباركة وأطلب من المؤلف أن يهدي منه نسخة (...) لعلي الله أن يهديه بها ان هو طالعها وجزي الله المؤلف كل خير علي هذالعمل الذي ادخره الله له ليكون نبراسا للطيبين ودامغا للمرجفين وحجة في التوسل بجاه سيد الاولين والاخرين
    بواسطة الحاجي
  • السلفيون في تونس / محمد كريشان...
    لا أدري سبب عدم نشر مقالات الكاتب مصطفى قطبي فقد كنا ننتظرها بفارغ الصبر.ونأمل من إدارة التيسير أن تنشر جديد الكاتب لأهمية الحمولة الفكرية والثقافية التي تتميز بها كتاباته ودراساته.
    بواسطة الشيخ مختار الحاتمي