04 كانون1/ديسمبر 2011
(الملاحظتان: الأولى والثانية)
الملاحظة الأولى: تتعلق بنظمه بدعية الطلاق البدعي في سلك البدعة الاصطلاحية بعد أن أنكرتها معايير تعريفها ورمت بها أمواج حدها، وذلك أن الطلاق البدعي إنما وضعه الفقهاء معرفا هكذا ليقابلوا به الطلاق السني، ومفاد مرادهم
بهاتين النسبتين أن إذن السنة النبوية في طلقة واحدة في طهر لم تمس فيه المطلقة.. أمر اكتسب به هذا النوع من الطلاق هذه الإضافة التشريفية والعلاقة النسبية، وأما ما سوى هذا من الطلقات فبما خالف الإذن السني والنهج الشرعي أصبح ينتسب إلى البدعة لا بمضاهاته للعبادة ولا بمبالغة فاعله في القربة ولكن بمحض مخالفة السنة..
فشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد سليم والأغر بن حاتم
ولعل السنة والبدعة بهذا المعنى الآنف الذكر لا تخضعان للقصر على جانب العبادات فحسب، بل تتعدى كل منهما إلى طور المعاملات والعادات؛ لأن المعني بهما الآن كما هو الظاهر إنما هو مخالفة الشرع وموافقته..
وما دام الأمر كذلك فلا وجه لقصر الشيخ للبدعة بالمعنى الفقهي المذكور على الطلاق؛ لأن الموافقة والمخالفة لا يخلوا من إحداهما نوع من أنواع المعاملات، ولا صنف من أصناف العادات، وانطلاقا مما تقدم فكل أمر ما خالف أو وافق الشرع يمكن أن نصفه بالسنية من حيث الموافقة، وأن نصفه بالبدعية من حيث المخالفة، ولعل الفقهاء لاحظوا ذلك حين أطلقوا على الطلاق المأذون فيه طلاق السنة وسموا غيره طلاق البدعة، وبذا تعلم أن تقييد الشيخ لإطلاق عدم دخول البدعة الاصطلاحية في مسائل المعاملات بهذه المسألة بعينها.. تقييد بمسالة أجنبية، ومعلوم أن التقييد بالمسائل الأجنبية لا تأثير له على الأمور العمومية .
الملاحظة الثانية: وهي حول مسألة مريبة حيرت عقول فئة عظيمة من الناس كانت تربأ بمثل فضيلة الشيخ عن مثلها، وهي ما وقع فيه من عدم التريث والتحري في رواية الحديث الشريف، وهو هو؛ علما وورعا.. ومعرفة ودينا.. وسمتا وشهرة.. وحفظا ورواية.. تقلده فئام كثيرة من بينها شخصيات شهيرة أصبحت أقواله لديها حجة مسلمة، وأفعاله سنة متبعة، الحق عندهم ما قاله، والحكم الفيصل عندهم في المسائل الخلافية حكمه، والمنتهى إليه في جميع أمورهم علمه، يفزعون إليه بدائهم العضال فرارا من ذوي الشعوذة الشيطانية والخرافات الظلمانية.. رغبة في العلاجات الإسلامية والرقية الشرعية، لم يجدوا من دونه لحلهم وعقدهم ملتحدا (يحسبونه كذلك ولا يزكون على الله أحدا)، وإنا نحن الآخرون رغم ما نكنه له من التقدير الذي لا يسعه حد التعبير؛ نبدي عجبنا من تعامل سماحته مع بعض الأحاديث النبوية، فتارة نراه يضعف حديثا أطبقت أئمة الحفاظ على صحته، كما نراه يدرج زيادة أخرى في حديث آخر؛ ليعزو الجميع للصحيحين -مثلا- كما فعل حين قال إنه صح في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"قريش قادة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة" فقول الشيخ: "إلى يوم القيامة" زيادة صريحة على ما في الصحيحين، وقوله "قريش قادة الناس" رواية بالمعنى؛ لأن الموجود في الصحيحين إنما هو "الناس تبع لقريش في الخير والشر" ولقد ورد فيهما هذا الحديث هكذا، دون تلك الزيادة التي أضاف إليه الشيخ، ولقد كان جديرا بفضيلته -حفظه الله- أن يبين ذلك كي يسلم من الوعيد الشديد المترتب على التقول على النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما إذا كان على مستوى عال من سعة المعرفة ودقة الحفظ والرواية؛ مما لم يترك مجالا للشك في أنه يعلم مدى خطر ذلك، كما لم تترك دقة معرفته بالأحاديث النبوية مجالا للشك في عدم إمكانية أن يلتبس عليه ما في الصحيحين مع ما ليس فيهما.
واسمحوا لي أيها القراء، ويا من تبوأت شخصية الشيخ صدارة التقدير في أفئدتكم.. إذا ما أغلظت القول أحيانا، أو أسندت إلى جناب سماحته ما لا يليق في رأيكم، فإني وإياكم في سبيل تقديره سواء.. أكن له مثل ما تكنُّون، وأقدره كما تقدرون؛ بيد أني ربما أرى -كما رأيتم- تلبيسا متعمدا -لا محالة- في متن الحديث الشريف، فأقارن بين الحرمتين: حرمة الحديث، وحرمة الشيخ التي إنما نالها بالاتصاف بمعرفة الأحاديث النبوية، واتباع السنة، وذود الأحاديث الموضوعة عن حمى الأحاديث الصحيحة؛ فعندئذ لا بد أن تتعاظم الحرمة النبوية في ضميري حتى تجعل العظيم في عيني صغيرا، والجليل حقيرا، فلا أبالي حينئذ بالمخاطب إلا ريثما أسند إليه ما أملاه المقام، واقتضاه الشرع من تهويل وتشديد، وإدانة وتنديد، هذا مع أني التمست له أحسن المخارج في قوله "قريش قادة الناس في الخير والشر" إذ حملتها على أنها التبست عليه مع قوله صلى الله عليه وسلم "الناس تبع لقريش" لاتحاد معنى الحديثين، والالتباس سائغ في حق غير المعصوم يرتفع عنه به الإثم؛ لأنه من قبيل الخطإ، وأما الزيادة التي ساقها كشاهد على استغراق الزمان وهي قوله: "إلى يوم القيمة" فلم أجد لادعاء كونها في الصحيحين محملا مطلقا، وربما أودى وضوح تعمدها بالمحمل الذي ذكرناه قبل قليل والله على ما نقول وكيل.
نعم ورد حديث في سنن الترمذي بلفظ قريب من لفظ الحديث الذي ذكر الشيخ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة" ويمكن أن يلتمس للشيخ من خلال ما في الترمذي مخرج التباسي آخر، إلا أن عدم التماس أحسن المخارج للمحدث أولى حماية للسنة المطهرة، وصيانة للشريعة الناصعة من تلبيسات الملبسين وتحريفات المحرفين.

نحن الذين جعلنا من "سنيم" شيئا مذكورا..
التعليقات
فاصبرلعادتك التي عودتنا@وإلافأرش دناإلي من نذهب