19 كانون1/ديسمبر 2011
5 الإنطلاقة الرسمية للأدب الحساني في بلاد البيضان
نجد في كتاب "الوسيط في تراجم أدباء شنقيط"، لأحمد بن الأمين الشنقيطي، المولود سنة 1289هـ، والمتوفي سنة 1331هـ، أول ذكر لأدباء الحسانية؛ وكتابه مخصص أصلا لشعراء الفصيح، لكنه
حوى ذكرا لأربعة أسماء من المشتهرين بالشعر الحساني:
- الهادي بن محمد (ص 72)،
- العم (المعروف بلعميم) ولد أحمدو فال (ص85)،
- امحمد بن هدار [i](ص 360)،
- الكفية ولد بسيف الإمباركي (ص 487).
***
أولا: الهادي بن محمد
يقول عنه صاحب الوسيط: "كان فقيها محققا وخنديذا (=شاعرا مجيدا) مفلقا، رزق فهما ثاقبا ورأيا صائبا، أحد الرواة المتقنين والعباد الناسكين، ... وبلغنا موته ... سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف. وكان غاية في الظرف ومعرفة آداب المجالس، له اليد الطولى في نسج الشعر ونظم الأزجال[ii]، وقلما تساويا عند شخص، بل لا بد أن يكون الشخص أتقن لأحدهما من الآخر ..".
قال لي أحد أبناء عمومة هذا الشاعر إنه هو نفسه المعروف عند أهل الأدب الحساني بالهادي ولد بدي، القائل:
اكْلاَمِ اعْلِيكُمْ يَالنَّاسْ لمْجَمْـــــــعِينْ اسَّمْعُ الْهَاذَ اللاَّهِ ظَرْكْ َيـــــنْكَــــــــــالْ
وافْطَنْتُ َماهُ مَنْ كذْبْ لَمْغَنْـــــيِينْ لكْــــلاَمْ اَلَّ لاَبـــدْ يشْـــتَدْ مـَــــــــــزَالْ
اتْلاَمِيدْ مَدْحُ آشْيَاخْهمْ كَامْلِيــــــــنْ وَسَّاوْهمْ أقْطَــــــابْ اُوَسَّــــــاوْهمْ ابْدَالْ
لَشْيَاخْ حَكْ عَنْهمْ كَامْلِينْ مَتْعَـــدْلِينْ غَيْرْشَيْخَنَ احْمَدُّ لاَحْكْ الْهَيهْ فالتَّعْدَالْ
مَانَكْ يَشَيْخْنَ كِيفْ لَشْيَاخْ لَخْـــرَيْنْ لَشْيَاخْ امْرَادْهمْ اكْبُـــــــــــورْ كدْ لَجبَالْ
مَانَكْ شَيْخْ تبَّاعَكْ مَاهمْ يَاسْريــــنْ وَاكلِيلْ اللَّي عَنْدَكْ زَادْ مْنْ الْمَــــــــــالْ
إلى آخر النص الشعري الحساني المشتهر في مدح الشيخ أحمدو.
***
ثانيا: العم بن أحمدو فال (المعروف بلعميم)
يقول عنه صاحب الوسيط: " كان شاعرا مقتدرا على نظم الشعر في أي روي، وعلى أي أسلوب، مع رقة ألفاظ وانسجام، وكان ممن جمع بين الشعر والأزجال على حد سواء، ويكفي أنه ساجل محمد[iii] بن هدار الإحراكي، وكان غاية في ذلك الفن فكاد يغلبه ...".
قلت: والمساجلة المذكورة بين امحمد ولعميم مشهورة بين المتذوقين للأدب الحساني؛ وتدور حول مقارنة بين معاش "بلاد الشرق" التي قدم منها لعميم، وبين معاش "بلاد الساحل"، حيث امحمد؛ وتبدأ بداية غاية في اللباقة، من كلا الطرفين:
يقول لعميم:
هذا الساحل ما كنتْ انجيهْ واندورك يامحمد عجـــــلانْ
اتعرفنِ كيــــفْ الِّ فيـــــهْ يزيـــــانْ أكيف إل يشيــــانْ
فيرد امحمد:
أهل تستنقصْ فيهْ إشويـتْ شينْ أشلك ما هونْ الجحدانْ
غير إنت بعد إل وسيـــتْ يعمِّ كامـــل ما يشيــــــــــانْ
ثم بعد أن يذكر كل طرف منهما ما لايناسبه من معاش أهل ناحية الطرف الآخر، يظهر لعميم تواضعا جما باحترامه لمكانة امحمد بين أهل هذا الفن، فينهي المساجلة قائلا:
يامحمدْ –عين ادكْ افعينْ عن ردَّك واجوابك فترانْ
إنت عندك لسـن وحديــنْ وآن ما عند كون إلســــانْ
***
ثالثا: محمد بن هدار
. يقول صاحب الوسيط: "امحمد بن هدار اشتهر بالغناء (قلت: هو لغن بالحسانية)، وكان صديقا لامحمد ابن الطلب". ثم يذكر له ثلاثة أبيات منسوبة إليه.
وفي نظري أن الذي عناه صاحب الوسيط هنا هو "مُحمَّدْ"، بدون ألف القطع، والد "امْحَمَّدْ"، فإن محمد (الوالد) هو الذي اشتهرت صداقته لامحمد ولد الطلبه وقد رثاه بمرثيته الذائعة الصيت التي يقول في قاف يبدأها به:
امشَ مودعْ للرَّحمــــــنْ قطبْ ازو تيرس وإمامُ
وامحمل الطلبَ سلطـانْ الطايح رفـاد اخــــيـــامُ
يعمل ذاك اللِّ يفعل كانْ إراه امـحمــــد كــــدامُ
وعلى كل حال فكلاهما، الوالد والابن، أديب حساني أريب
ومن روائع محمد بن هدار وصيته لإبنه امحمد، التي بدايتها:
يامحمَّدْ نخْتيرْ انوَصّــــِيكْ واسمعْ لُوصايَ يامْحمَّـدْ
لا تِستَهونْ شِ شَينْ اعْليكْ افطَـــــنْ لخْبارْ الَّا تِرتدْ
لا تَرضَ يامْحمدْ بامْـــقامْ اسغِيرْ ؤُ لا تَجهلْ لحْكامْ
واكـرَ لحْكامْ أعلَ تسْـكـامْ وِإيلَ عدْتْ امْجمَّعْ فابْـلـدْ
لا تغْـتابْ ؤ كلَّـلْ لكْـــلامْ واحذِرْ لا تكْعدْ فُـوجهْ حدْ
وٍإيلَ عدْتْ ابْجاهَكْ هنِّـيـهْ انْعتْ كاعْ إنَّكْ مانكْ بيهْ
وِإيلَ عدْتْ ابْعلمَكْ وَاسِيهْ يامْحمَّدْ للواحِـدْ الاحَـدْ
امنَينْ اتْواسِيهْ الْ خَاطِيهْ امْركْـتْ اخبَـاركْ يامْحمَّـدْ ....الخ.
وهذه الوصية سقناها كاملة في قسم العروض كمثال على بحر لبتيت التام.
***
رابعا: الكفيه بن بوسيف
نجد ذكر الكفيه بن بوسيف الإمباركي عند صاحب الوسيط في معرض "الكلام عن أولاد إمبارك"، فيذكر لنا أولا عن أولاد إمبارك، أنهم "كانوا أهل أبهة عظيمة، وكرم وعدل"، ويذكر قصة حول "ما يحكى عنهم من النخوة"، فقصة أخرى تتعلق بنخوتهم حدثت مع "الكفيه المشهور" كما يسميه.
ثم يقول:
"واشتهر الكفيه هذا، بالنظم المسمى عندهم بالغناء"، ونجد عند صاحب الوسيط النموذج التالي من "أدب الكفيه":
محـــــــدْ الدنيَ مايْلَ شورك واعليــهَ مايــلْ
اعلمْ بعد انْه زايْــــلَ وانتَ وايَّـــــــاهَ زَايــلْ
مذ من حدْ إشتاكْــــهَ واجمعهَ بعْدْ افراكْــــهْ
مِلك اذهَبهَ وانياكْـــه إمركَاتنْ واشــوايـــــلْ
وامشَ عنه ما ظـــاكْهَ. وآن ذاكْ إلِّ كـــــــايلْ:
فاتُ ملكوهَ لوليـــــــنْ إلِّ ملكوهَ ملك زيْْْـــنْ
ؤعقبتْ فايدينْ التالْيينْ ذوك ارحايل وانزايلْ
غيرْ الَّ يمش كامْلينْ عنهَ مشيتْ لوايـــــلْ
ويفيدنا الأستاذ محمدو ولد إحظانا، في بحثه الذي ذكرنا آنفا، بالإسم الكامل للكفيه، وضبط وفاته:
"محمد الكفية ولد بوسيف ولد سيد أحمد ولد بوسيف ولد هنون لعبيدي، توفي في الكفية سنة 1277هـ/ 1866م".
[i] كذا في الوسيط، وأرى أن المقصود هو محمد والد امحمد، وكلاهما أديب مشهور.
[ii] يقصد بالأزجال الشعر الحساني.
[iii] يظهر لي أن المقصود هو امحمد (بألف القطع) ولد محمد ولد هدار.

نحن الذين جعلنا من "سنيم" شيئا مذكورا..