16 كانون2/يناير 2012
6 ملحق بهذا القسم الثاني
وفيه بحثان لهما صلة بهذا القسم:
- بحث: مقاربة الأرحام الشعرية
- بحث: شعر الصنهاجيين قبل مقدم بني حسان
بحث
مقاربة الأرحام الشعرية
عناصر هذا البحث:
أولا: الفكرة .. وفائدتها بالنسبة للشعر الحساني
ثانيا: مثال تطبيقي على الشعر الحساني
بسم الله الرحمن الرحيم
نبدأ في هذا البحث بتوضيح فكرة هذه المقاربة والفائدة المتوخاة من تطبيقها في مجال دراسة تاريخ الشعر الحساني، ومن ثم بنفس المبدأ دراسة تاريخ الآداب الدارجية عموما. ثم بعد ذلك نعطي مثالا تطبيقيا.
أولا: الفكرة .. وفائدتها بالنسبة للشعر الحساني
لقد قمنا بتأمل الأشعار الدارجية في مختلف الأقطار العربية محبذين في كل مرة مراجعة الكتب المحلية لكل قطر، فبدأنا بالأشعار الدارجية في دول المغرب العربي (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا) ثم توسعنا بعد ذلك إلى الشعر الدارجي في منطقة الخليج المسمى بالشعر النبطي، وطالعنا في الأشعار الدارجية في مصر والعراق واليمن والشام.
وأجرينا مقارنات أولية بين الظواهر العروضية والمضامينية في مختلف تلك الأشعار الدارجية القطْرية، من أجل رصد نقاط التقائها مع الشعر الحساني من ناحية، ونقاط التقائها في ما بينها من ناحية أخرى. عملية المقارنة بهذا الشكل هي التي يحلو لنا أن نسميها مقاربة الأرحام الشعرية.
فائدة هذه الطريقة بالنسبة للشعر الحساني تكمن في أنها تمكننا من إرجاع كل خاصية من خصائصه إلى الطور من تاريخ بني حسان الذي نشأت فيه، وفي النهاية يمكننا إعادة بناء تاريخ هذا الشعر بطريقة أدق:
فمثلا عندما اتفق الشعر الحساني مع الشعر الدارجي الخليجي (الشعر النبطي) في خصائص معينة، كان ذلك لدينا مؤشرا على أن تلك الخصائص مستصحبة من الشعر البدوي القديم الذي هو أصل لهذين الشعرين. مثال ذلك الحي هو وجود تسمية القاف بنفس جمعه على قيفان في الشعر النبطي وفي الشعر الحساني.
وإذا اشترك الشعر الحساني مع الشعر الدارجي التونسي أو الجزائري أو الليبي في خاصية معينة، كان ذلك مؤشرا على ورود أحد الاحتمالات التالية: كون هذه الخاصية قديمة في شعر المعقل أسلاف بني حسان أيام صحبتهم لبني هلال وبني سليم، أو وجود تأثير لرافد خارجي سابق تعرض له في الشمال الإفريقي كلا هذين الشعرين كالموشحات الأندلسية مثلا أو الزجل أو عروض البلد، أو أن أحد الشعرين أثر على الآخر.
وعندما رصدنا التقاءً للشعر الدارجي المغربي مع الشعر الحساني في خصائص معينة، فحصنا بداية احتمال وجود هذه الخاصية في شعر المعقل أيامهم في شمال المغرب أو زمان بني حسان في السوس ثم شمال الصحراء، أو احتمال كونها من تأثير أحد الأنماط الشعرية الدارجية التي سادت بالمغرب أو وفدت إليه (الموشحات الأندلسية، الزجل الأندلسي، عروض البلد، طريقة الزجل الششترية، العروبيات، كان وكان)، أو احتمال تأثر شعراء المغرب بشعراء بني حسان أو العكس.
ثم أخيرا إذا كانت في الشعر الحساني خاصية لم نجدها في غيره من الأشعار الدارجية العربية كان ذلك عندنا دليلا على أنها من إبداعات المجتمع البيضاني الخاصة بعد وصول بني حسان إليهم حاملين هذا الشعر الحساني معهم.
***
وقد أفادتنا هذه الطريقة إفادة كبيرة في اكتساب تصور واضح عن شكل الشعر الدراجي عند المعقل أسلاف بني حسان، وعند بني حسان قبل اندماجهم في مجتمع البيضان، وعن التحولات التي شهدها بعد ذلك في أحضان مجتمع البيضان.
***
الجدول الذي في بداية الصفحة الموالية يبين المنطلقات التي يمكنها أن توجه البحث لعقد مقارنة بين الشعر الحساني من جهة والأشعار الدارجية المغاربية الأخرى والشعر الدارجي الخليجي (الشعر النبطي) من جهة أخرى، فالشعر الحساني يشترك مع باقي الأشعار الدارجية المغاربية في تواجده تاريخيا في مجال تأثير كثير من الروافد الدارجية التي وفدت إلى الشمال الافريقي أو نشأت فيه ابتداء، ويشترك مع الشعر النبطي الخليجي في الأصل البدوي الهلالي لكل منهما.
وها هي الاصطلاحات لقراءة الجدول:
في الأعمدة -- الدول المغاربية/ الخليج العربي، وأشعارها الدارجية الحديثة؛
في الصفوف -- الروافد القديمة، غالبها تكلم عنه ابن خلدون في مقدمته، فذكر ظروف نشأته وأبرز فرسانه وأورد نماذج منه.
نعم تعني أن تأثر اللون الحديث بالقديم مؤكَّد؛
!! تدل على أن تأثر الحديث بالقديم وارد جدا؛
؟ تشير إلى أن تأثر الحديث بالقديم يحتاج مزيدا من البحث؛
لا تعني أن تأثر الحديث بالقديم مستبعد.
|
|
موريتانيا + والصحراء |
المغرب |
الجزائر |
تونس |
ليبيا |
الخليج العربي |
|
الروافد |
الشعر الحساني[i]
|
الزجل المغربي |
الشعر الدارجي الجزائري |
الشعر الدارجي التونسي |
الشعر الدارجي الليبي |
الشعر النبطي |
|
الموشحات |
!! |
!! |
!! |
!! |
؟ |
لا |
|
الزجل |
!! |
!! |
!! |
!! |
؟ |
لا |
|
الطريقة الزجلية الششترية |
!! |
!! |
!! |
!! |
!! |
لا |
|
العروبي: أشعار بن عروس |
!! |
نعم |
؟ |
نعم |
؟ |
!! |
|
عروض البلد |
؟ |
!! |
؟ |
؟ |
؟ |
لا |
|
كان وكان |
؟ |
!! |
؟ |
؟ |
؟ |
لا |
|
الشعر البدوي الهلالي |
نعم |
!! |
!! |
نعم |
نعم |
نعم |
ثانيا: مثال تطبيقي على الشعر الحساني
لنأخذ الشاهد التالي من الشعر الدارجي التونسي :
في كتاب "الشعر الشعبي أوزانه وأنوعه، لمؤلفه محي الدين خريف، النص الشعري التالي، ويصدره المؤلف بقوله:
" العروبي: وهو معروف عند الناس باختصاص موضوعه إذ لا ينظم عادة إلا في (الحكم) و(محل شاهد) ...
… وهو لايغني وإنما يسرد سردا وينظم به محلات الشواهد، مثاله قول الرويسي التوزري":
|
لا تعزز من كان عزيزْ |
|
دار عليه الدهر وذلْ |
قلت: هذا النص الشعري التونسي له شبه بالغ بنصوص الحكم، التي يحب الشعراء الحسانيون نظمها في بحر بوعمران. وذلك الشبه يشمل المضمون كثيرا، والشكل أيضا في نواحي معينة، وسيكون القارئ من أهل هذا الفن بنفسه قد أدرك ما نعنيه.
يقول الحاج ولد الكتاب في التوجيه وهو أدباء البيضان من أهل القرن 13 هـ:
|
لا اتـْــكيسْ الجِّيدْ بالسيفْ |
|
ما يْــكيسْ الجِّيدْ لعنيفْ |
هذان النموذجان يشتركان في الخصائص التالية:
- من الناحية العروضية .. الوزنان كلاهما أشطاره من سبعة مقاطع،
- من حيث المضمون .. هما في موضوع الحكمة والتوجيه؛ ويحتويان كلاهما على محسن لفظي هو تكرار مقاطع معينة: في التونسي (كيف+لا)، في الحساني (لا).
أول ما يخطر بالبال هو أن تكون الخصائص المشتركة بين النموذجين قد وصلت إلى كل منهما من أصله الشعري البدوي الهلالي؛ لكن هناك قرينتين تنفيان ذلك: القرينة الأولة هي أن هذه الخصائص لم نلاحظها بعدُ في باقي الأشعار الدارجية المنبثقة عن الأصل البدوي الهلالي كالشعر النبطي والشعر الدارجي الليبي على سبيل المثال؛ والقرينة الثانية هي أن تسمية العروبي مرتبطة بأشعار بن عروس مما يوحي بأن الشعر الدارجي التونسي قد توطنته هذه الخاصية من تأثير عروبيات بن عروس، وبن عروس هو على الأرجح الشاعرالتونسي الذي اسمه أحمد بن عروس من أهل القرن 9 هـ، كما يعرفه ديوان مطبوع يحوي أشعاره.
يبقى السؤال بعد ذلك هو: كيف توطنت إذًا هذه الخاصية في الشعر الحساني مع أن بني حسان في بداية القرن التاسع الهجري كانوا بإيكيدي الشمالي والساقية الحمراء، وخلال القرن نفسه صاروا بما يعرف اليوم بوادي الذهب وموريتانيا، بعيدين في عن تونس حيث الشاعر أحمد بن عروس؟
للإجابة عن هذا السؤال نود في البداية أن نستعرض مع القارئ ملاحظتين هامتين أوردهما محققو ديوان سدوم ولد انجرتو في الترجمة له:
الأولى .. هي أن الشاعر حسون، جد قبيلة الحساسنة الشعار الذين منهم سدوم، كان قد قدم من نواحي توات في صدر القرن العاشر الهجري مع الشيخ سيد أعمر الكنتي (ت حوالي 960هـ). قلت: والشيخ سيد أعمر الكنتي كان لا يزال في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ كنته من سكان الساقية الحمراء ونواحيها، كما نعلم من الرسالة الغلاوية للشيخ سيد محمد بن الشيخ سيد المختار الكنتي.
الثانية .. هي أن الحساسنة قيل إنهم من ذرية حسان بن ثابت، وقيل إنهم من الشعانبة؛ قلت: والجمع بين القولين سهل، فلعلهم كانوا من الحساسنة نسبا وتوطنت أجيال من أسلافهم في الشعانبة، ومثل هذا كثير الورود في حياة الأعلام. وأضيف: إن الشعابنة هم قبيلة عربية من بني سليم إخوة بني هلال توجد اليوم في ليبيا وتونس والجزائر.
في ضوء هذه المعطيات المتوفرة إذًا نعتقد أن الإجابة عن السؤال عن كيفية توطن ذلك التأثير العروبي لأشعار أحمد بن عروس في الشعر الحساني تكون بقولنا إن أشعار بن عروس كانت منتشرة بين الشعانبة، ومنها أخذها حسون (الشعانبي ثقافة). ثم من خلال مرويات حسون من أشعار بن عروس -ولعله نسج على منوالها وسماها بوعمران- أُعجب البيضان بهذا اللون الأدبي (وقد وصل الإعجاب بأشعار بن عروس إلى المغرب ومصر والخليج)، ليقوم شعراء البيضان بالنسج على منوال أشعار بن عروس "الحكيمة" وليكون ذلك هو نواة تشكل الوزن العروضي الحساني المسمى بوعمران. وبالمناسبة، فإن تسمية بوعمران (=أبو عمران) -من بين تسميات البحور الشعرية الحسانية- فيها فعلا ما يشير إلى دورانها في محيط أفصح من محيط البيضان الثقافي.
والله أعلم بحقيقة ما كان.
[i] ملاحظة: بخصوص تأثر الشعر الحساني بالموشحات والزجل الأندلسيين فإنه حدث أساس بشكل غير مباشر؛ فتأثر الشعر الحساني كان أولا بأشعار الصنهاجيين التي كانت سائدة بينهم قبل مقدم بني حسان، وأشعار الصنهاجيين تلك هي التي كانت تُنسج لمحاكاة الموشحات والزجل. لكن من ناحية ثانية هناك رواية لا نهملها، ومقتضاها أن ابن رازكه العلوي (من أهل صدر القرن الثاني عشر الهجري)كان له دور مهم في تطور الشعر الحساني. هذه الرواية نفسرها بكون ابن رازكه كان من المرتادين لبلاطات ملوك المغرب وكان في تلك البلاطات شعراء من الأندلس (بعد سقوط الأندلس سنة 998هـ)، مما يجعل الاحتمال واردا بأن يكون ابن رازكه قد استجلب إلى بلاد البيضان ألوانا من أشعار أهل الأندلس، وأن تلك الألون الشعرية الأندلسية أعجبت المشتغلين بالشعر الحساني في عهده فنسجوا على منوالها أو على الأقل ولدت لديهم نزعة قوية نحو تعداد القوافي في أشعارهم (=التوشيح)، ومثل تلك النزعة الأندلسية نحو تعداد القوافي لمسناها فعلا في كثير من النماذج الشعرية، وغالبها اليوم في عداد الأوزانه المهملة.



حدث أبو معاذ، قال..
مصطلح المعارضة مصطلح حديث، تعود جذوره إلى عصور ازدهار الديمقراطيات الغربية، ولم يكن لهذه اللفظة مدلول يذكر في ثقافتنا العربية والإسلامية، بل إن الألفاظ المستخدمة في المعاني القريبة من دلالة هذا المصطلح والتي تشير إلى مناوأة الحاكم ظلت تُبوَّبُ تحت عنوان الخروج والتمرد على طاعة أولي الأمر، وعندما اضطرت شعوبنا إلى الأخذ بالنظم الديمقراطية، كانت نظرتنا إلى المعارضة متخلّفة؛ حيث اعتبرناها