07 شباط/فبراير 2012
ذكرنا في الحلقات السابقة طرفا مما أفاض الله تعلى من الخير واليمن والسعادة والنجاة من النار؛ ببركة جسده صلى الله عليه وسلم وشعره وأظفاره ودمه وبوله وعرقه، وغير ذلك مما ورد في الأحاديث الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه رضي الله عنهم.
وختمنا الحلقة الأخيرة بسؤالين نرى أن لهما أهمية خاصة؛ لإنارة رأي القارئ الكريم حول ما نحن بصدده؛ من تنويه
قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجوب توقيره واحترامه، والتحفظ والأدب والخشوع عند ذكره صلى الله عليه وسلم والحديث عنه، ووجوب الذب عن حرمه صلى الله عليه وسلم، وكف من يتعرض له بغير لائق بجنابه صلى الله عليه وسلم وكرّم وعظّم، وعلى آله وصحبه والمنتمين لحزبه.
والسؤلان هما:
1 - هل يتصور مومن صادق الإيمان أن قلما أعجم يقبل أن تسيل شباته – بلغت حدتها ما بلغت – بكلمة قد يتبادر إلى ذهن قارئها أن فيها إخلالا بواجب الأدب والتعظيم له صلى الله عليه وسلم؟!!
2 - أو يتصور أن تقع عليها عين مسلم؛ يومن بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة؛ من وجوب الذب عنه صلى الله عليه وسلم .. ويتغاضى عنها ؟
ونتابع في هذه الحلقة - إن شاء الله - عرض بعض ما ورد في سؤره صلى الله عليه وسلم، وسؤر طهوره، وطهور صحابته رضي الله عنهم، وما ورد من الفضل والحرمة في وطنه ومحل سكنه، ومكان صلاته صلى الله عليه وسلم ... إلى غير ذلك مما له تعلق بذاته صلى الله عليه وسلم؛
فمما يدل على فضل وبركة سؤره صلى الله عليه وسلم ما أخرج الإمام مالك رحمه الله في الموطإ، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بلبن قد شيب بماء من البئر وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر الصديق فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: الأيمن فالأيمن» ويفهم منه أن في سؤره صلى الله عليه وسلم حقا لمن حضره، وأن الأيمن أولى بذلك الحق، ولا يخفى ما فيه من الدلالة على فضل وبركة سؤره صلى الله عليه وسلم.
وفيه عن أبي حازم بن دينار «أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام أتأذن لي أن أعطي هؤلاء فقال الغلام لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدا قال فتلّه رسول الله صلى الله عليه و سلم في يده».
قال في تنوير الحوالك الغلام: هو عبد الله بن عباس، وعدّ من الأشياخ خالد بن الوليد.
فانظر - رحمك الله – قوله صلى الله عليه وسلم للغلام: «أتاذن لي أن أعطي هؤلاء» وما فيه من الدلالة على عظم الحق في سؤره صلى الله عليه وسلم لمن هو على يمينه، ولو كان غلاما بحضرة الأشياخ.
وانظر – يرحمك الله – بعين بصيرتك قول الغلام: "لا والله يارسول الله لا أوثر بنصيبي منك"؛ وما فيه من حرصه عليه حتى اعتبر السؤر بعضا من ذاته صلى الله عليه وسلم، وقال فيه: "نصيبي منك".
وفي كتاب الشفاء للقاضي عياض، من حديث حنش بن عُقيل «سقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شربة من سويق شرب أولها وشربت آخرها فما برحت أجد شبعها إذا جعت ورِيها إذا عطشت وبردها إذا ظمئت». وفيه أبلغ دلالة على بقاء بركة هذا السؤر حينا بعد حين؛ حيث أطلق في الزمان فقال "فما برحت" فأعظم بها من معجزة وأكرم بها من منقبة !!
ومما يدل على فضل وبركة سؤر طهوره صلى الله عليه وسلم وطهور أصحابه، وبركة مواضع أصابعهم رضي الله تعلى عنهم؛ ما أخرج البخاري وغيره، ولفظ البخاري من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ قال: «رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وَقَدْ حَضَرَتِ الْعَصْرُ وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرَ فَضْلَةٍ فَجُعِلَ فِي إِنَاءٍ فَأُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِهِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى أَهْلِ الْوُضُوءِ الْبَرَكَةُ مِنَ اللهِ فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ وَشَرِبُوا فَجَعَلْتُ لاَ آلُو مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ قُلْتُ لِجَابِرٍ كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ قَالَ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ».
تَابَعَهُ عَمْرٌو ، عَنْ جَابِرٍ وَقَالَ حُصَيْنٌ وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ جَابِرٍ خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً.
وفيه ما فيه من دلائل النبوءة؛ فقد قال ابن بطال في شرح البخاري: يؤخذ منه أن الإسراف فى الطعام والشراب مكروه إلا الأشياء التى أرى الله فيها بركة غير معهودة وآية قائمة بينة، فلا بأس بالاستكثار منها، وليس فى ذلك سرف ولا كراهية، ألا ترى قول جابر: (فجعلت لا آلو ما جعلت فى بطنى منه) أى لا أقصر عن جهدى فى الاستكثار من شربه. ثم قال: وفيه: علم عظيم من أعلام النبوة.
وذكر الشيخ محمد فاضل بن أحمد دليل الملقب محيي السنة، في كتابه "فتح باب الألباب" عازيا لكشف الغمة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ياخذ فضلة وضوءهم – يعني أصحابه – فيشربها تبركا بها، ويلعق القصعة من مواضع أصابعهم تبركا بها».
ومن الدلائل كذلك على عِظم البركة التي جعل الله تعلى في يده صلى الله عليه وسلم وسائر بدنه ما روي «أن أم مالك كان لها عكة تهدي فيها للنبي صلى الله عليه وسلم سمنا فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تعصرها ثم دفعها إليها فإذا هي مملوءة سمنا فياتيها بنوها يسألونها الأَدْم وليس عندهم شيء فتعمد إليها فتجد فيها سمنا فكانت تقيم إدمها حتى عصرتها». رواه مسلم وغيره.
ومن ذلك غرسه صلى الله عليه وسلم لسلمان رضي الله عنه، حين كاتبه مواليه على ثلاثمائة ودِيّة يغرسها لهم تعلق وتطعم، وعلى أربعين أوقية من ذهب، فقام وغرسها له بيده إلا واحدة غرسها غيره، فأخذت كلها إلا تلك الواحدة، فقلعها النبي صلى الله عليه وسلم وردها فأخذت.
وفي كتاب البزار فأطعم النخل من عامه إلا الواحدة؛ فقلعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وغرسها فأطعمت من عامها، وأعطاه مثل بيضة الدجاجة من ذهب بعد أن أدارها على لسانه، فوزن منها لمواليه أربعين أوقية، وبقي عنده مثل ما أعطاهم.
ومن ذلك «أنه صلى الله عليه وسلم مسح على رأس قيس بن زيد الجذامي ودعا له، فهلك وهو ابن مائة سنة ورأسه أبيض، وموضع كف النبي صلى الله عليه وسلم وما مرت يده عليه من شعره أسود»، فكان يدعى الأغر.
ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم «وضع يده الشريفة على رأس حنظلة بن حذيم وبرّك عليه فكان حنظلة يؤتى بالرجل قد ورم وجهه والشاة قد ورم ضرعها فيوضع على موضع كف النبي صلى الله عليه وسلم فيذهب الورم.
وروي من حديث السائب بن يزيد: «ذهبت بي خالتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ابن أختي وجع فمسح رأسي ودعا لي بالبركة وتوضأ فشربت من وضوئه .....» الحديث. أخرجه البخاري.
وفي سنن أبي دوود من حديث عُثْمَانُ بْنُ السَّائِبِ قال أَخْبَرَنِى أَبِى وَأُمُّ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِى مَحْذُورَةَ عَنْ أَبِى مَحْذُورَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - من حديث طويل في شأن الأذان، قَالَ في ءاخره: "فَكَانَ أَبُو مَحْذُورَةَ لاَ يَجُزُّ نَاصِيَتَهُ وَلاَ يَفْرِقُهَا لأَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَحَ عَلَيْهَا"، ونحوه في مسند الإمام أحمد.
وفي المستدرك والمعجم الكبير للطبراني من حديث صَفِيَّةَ بِنْتِ مَجْزَأَةَ «أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ ، كَانَتْ لَهُ قُصَّةٌ فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ إِذَا قَعَدَ أَرْسَلَهَا فَتَبْلُغُ الأَرْضَ فَقَالُوا لَهُ : أَلاَ تَحْلِقُهَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَيْهَا بِيَدِهِ ، فَلَمْ أَكُنْ لأَحْلِقَهَا حَتَّى أَمُوتَ فَلَمْ يَحْلِقْهَا حَتَّى مَاتَ».
يتواصل إن شاء الله -

نحن الذين جعلنا من "سنيم" شيئا مذكورا..