22 آب/أغسطس 2011
من كتب الطريقة التجانية الصوفية
الاربعاء 27 كانون الثاني (يناير) 2010
![]() |
| صورة المؤلف |
توصلنا في موقع التيسير الثقافي بكتاب "خلاصة الأدلة الشرعية في الرد على تساؤلات الحشوية"، من مؤلفه العلامة الشيخ محمد مفتاح بن صالح التجاني الإبراهيمي.
خلاصة الأدلة كتاب نفيس يجيب فيه مؤلفه -حفظه الله ورعاه- على تساؤلات وانتقادات طالما تغنى بها أعداء التصوف بشكل عام، وأعداء الطريقة التجانية بشكل خاص.
إننا في "موقع التيسير الثقافي" إذ نتشرف بنشر هذا الكتاب (ضمن حلقات) لا يفوتنا أن توجه بكامل شكرنا وامتناننا للمؤلف.. أبقاه الله ذخرا للإسلام والمسلمين، وأسدا من أسود الطريقة التجانية المدافعين عنها إنه ولي ذلك والقادر عليه.
الحلقة الأولى من كتاب (خلاصة الأدلة الشرعية في الرد على تساؤلات الحشوية)
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيد المرسلين
مقدمة:
الحمد لله الواجب الوجود المتصف بالكمال المطلق المنفرد بالقدم والبقاء الأحد الواحد في الذات والأوصاف والأسماء المتجلي بصفات الجمال والجلال والكمال المتعالي في ذاته عن الأضداد والأنداد المتفضل على جميع خلقه بنعمة الإيجاد والإمداد القدوس المنزه عن الحلول والاتحاد وعن كل ما يصفه به أهل الكفر والإلحاد والصلاة منه والسلام على سيدنا محمد إمام المرسلين المرسل رحمة للعالمين، والرضى عن أصحابه أجمعين وعن من جمع الله فيه بين الشرف الديني والطيني وجعله الوارث المحمدي الأوحدي إمامنا الداعي إلى الله بإذنه الشيخ أحمد التجاني القائل في الإفادة الأحمدية ص 45 : "إذا سمعتم عني شيئا فزنوه بميزان الشرع فإن وافق فاعملوا به وإن خالف فاتركوه".
وبعد، فإني وقفت على محاضرتين لأحد علمائنا المعاصرين ضعف فيهما حديث الضرير وأعله بأربع علل واهية، فأفردت بحثا بينت فيه صحة الحديث وبعثت به إليه، وبعد ذلك بمدة وقفت على منشور غير موقع باسم أحد تنزل صاحبه فيه منزلة ضل بن ضل، وهيان بن بيان، وسلك فيه مسلك سفهاء الأحلام، حدثاء الأسنان، ومشى فيه مشية الخزل والرسفان، فسولت له نفسه فيه أن يخرج الأولياء الراسخين في العلم والفهم من دائرة الإيمان، وأن يجعلهم كعبدة الطبيعة والأوثان، وقد شحنه بالدس والتلفيق، وتهرب فيه من مواطن التحقيق، فحرم الإصابة والتوفيق، وحرف فيما نقل ودلس، وتحامل وتقول، وقدم وأخر، واقتضب وبتر، ثم افترض أن في كتب طريقتنا التجانية سبع مسائل ينبغي لنا ـ في نظره ـ أن نبدأ ببحثها قبل مسألة التوسل، فبحثت عنه حتى عرفته، فاقتضى النظر عندي أنه من الواجب علي أن أرد عليه وعلى كل من زين له سوء عمله ـ وإن كان لا يستحق جوابا ـ وقد بسطت الكلام في الجواب على تساؤلاته إفادة للعالم المنصف لا الجاهل المتهور المرجف، وسميته :"خلاصة الأدلة الشرعية في الرد على تساؤلات الحشوية"، وقد التزمت فيه أن أجيب عن كل مسألة بما يتنزل عليها من محكم القرءان وصحيح السنة وكلام الأئمة المقتدى بهم شرعا، وأن أجهل هذا الجاهل المغرض كما جهل نفسه، وأن أبين خيانته وتحريفه الكلم عن مواضعه في كل مسألة.
وقد مهدت للرد عليه بستة محاور :
أولها: في قواعد لأهل الجرح والتعديل تجب مراعاتها عند علماء الأثر والفقه،
ثانيها: في وجوب الرد عن الشيخ،
ثالثها : في الترجمة عن الشيخ التجاني رضي الله عنه والثناء عليه،
رابعها: في الترجمة عن الشيخ محي الدين بن عربي رضي الله عنه،
خامسها : في الترجمة عن الإمام محمد البكري رضي الله عنه،
سادسها : في الترجمة عن أبي يزيد البسطامي رضي الله عنه.
المحور الأول:
أما المحور الأول المتعلق بالقواعد التي تجب مراعاتها، فمنه قول الحافظ بن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ج1 ص160: "والصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في العلم أمانته وبانت ثقته وعنايته بالعلم لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات، والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر".
ومنه قول الإمام ابن السبكي في قاعدته في المؤرخين ص 79: "فلا ينبغي أن يقبل قول مخالف في العقيدة على الإطلاق إلا أن يكون ثقة وقد روى شيئا مضبوطا عاينه أو حققه، فقولنا مضبوطا احترزنا به عن رواية مالا ينضبط من الترهات التي لا يترتب عليها عند التأمل والتحقق شيء، وقولنا عاينه أو حققه ليخرج ما يرويه عن من غلا أو رخص ترويجا لعقيدته".
ومنه قوله أيضا في قاعدته في الجرح والتعديل ص 45 ـ 55: ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح أيضا حال الجارح في الخبرة بمدلولات الألفاظ فكثيرا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها، والخبرة بمدلولات الألفاظ ولاسيما الألفاظ العرفية التي تختلف باختلاف عرف الناس وتكون في بعض الأزمنة مدحا وفي بعضها ذما أمر شديد لا يدركه إلا قعيد بالعلم.." ثم قال : " لا شك أن من تكلم في إمام استقرت في الأذهان عظمته وتناقلت الرواة ممادحه فقد جر الملام إلى نفسه".
المحور الثاني
وأما المحور الثاني المتعلق بوجوب الرد عن الشيخ، فالدليل عليه من طريق النظر والاستدلال جاء في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: وكان حقا علينا نصر المؤمنين، وقد روى ابن أبي حاتم بسنده إلى أبي الدرداء في تفسيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة" ثم تلا هذه الآية. ومنها قوله تعالى : ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، قال ابن جزي في تفسيرها ج 3 ص42: (ينصره) أي ينصر دينه وأولياءه. ومنها قوله تعالى : يأيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.
وأما الدليل من السنة على وجوب الرد عن الشيخ فهو أكثر من أن يحصى أو يستقصى، ويكفينا منه ما ساقه الإمام النووي في الأذكار ص 294 ـ 295 حيث بوب بقوله : باب أمر من سمع غيبة شيخه أو صاحبه أو غيرهما بردها وإبطالها ثم قال: "اعلم أنه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردها ويزجر قائلها فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده فإن لم يستطع باليد ولا باللسان فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق أو كان من أهل الفضل والصلاح كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر، ثم استدل على وجوب الرد عنه بعدة أحاديث:
منها: حديث الشيخين، عن عتبان، قال قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فقال :"أين مالك بن الدخشم، فقال رجل ذلك منافق لا يحب الله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تقل ذلك ألا تراه قد قال لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله".
ومنها: حديثهما أيضا عن كعب بن مالك في قصة توبته، قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل رضي الله عنه: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم".
ومنها: حديث أبي داود عن جابر بن عبد الله وأبي طلحة رضي الله عنهم: قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته".
المحور الثالث
وأما المحور الثالث المتعلق بالترجمة عن الشيخ التجاني، فهو رضي الله عنه أجل قدرا وأعظم شأنا من أن تستوفى الترجمة عنه في هذا المقام وقد أفرده بالترجمة جماعة من علماء أتباعه وترجم له أيضا وأثنى عليه من أهل العلم جماعة من غيرهم، فمنهم:
ـ العالم الأثري والفقيه الألمعي الفاسي ثم المدني الشريف الحسني محمد بن جعفر الكتاني في كتابه "سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس في من أقبر من العلماء والصالحين بفاس" حيث قال ما لفظه: "ومنهم الشيخ الواصل والقدوة الكامل والطود الشامخ والعارف الراسخ جبل السنة والدين وعلم المتقين والمهتدين العلامة الدراكة المشارك الفهامة الجامع بين الشريعة والحقيقة الفائض النور والبركات على سائر الخليقة الواضح الآيات والأسرار ومعدن الجود والافتخار البحر الزاخر الطامي المصرف بخصوصيته بين الخاص والعام نادرة الزمان ومصباح الأوان القطب الجامع والغوث النافع أبو العباس مولانا أحمد بن الولي الكبير والعالم النحرير أبي عبد الله محمد فتحا بن المختار بن أحمد بن محمد فتحا بن سالم الشريف الحسني الكامل التجاني يرجع نسبه إلى الإمام محمد النفس الزكية بن عبد الله الكامل، كان رحمه الله من العلماء العاملين والأئمة المهتدين ممن جمع بين شرف الجرثومة والدين وشرف العلم والعمل واليقين والأحوال الربانية الشريفة والمقامات العلية والخوارق العظام والكرامات الجسام، قوي الظاهر والباطن كامل الأنوار والمحاسن عالي المقام راسخ التمكين والمرام بهي المنظر جميل المظهر منور الشيبة عظيم الهيبة جليل القدر شهير الذكر ذا صيت بعيد وعلم وحال مفيد وكلمة نافذة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عائدة، ولد سنة خمسين ومائة وألف بقرية عين ماضي ونشأ في عفاف وأمانة مشتغلا بالقرآن معتادا لتلاوته فحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين ثم اشتغل بطلب العلوم حتى رأس فيها وحصل معانيها. هذه عبارته فيه.
ـ ومنهم العلامة الأوحد والكوكب الأسعد الشيخ محمد البشير ظافر المدني الأزهري في كتابه " اليواقيت الثمينة في أعيان مذهب عالم المدينة"، حيث قال ما لفظه: "أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد بن محمد بن سالم الشريف التجاني الشهير القدوة الكامل العارف الراسخ جبل السنة والدين العلامة الدراكة المشارك الفهامة الجامع بين الشريعة والحقيقة نادرة الزمان".
ـ ومنهم العلامة الكامل والشريف الفاضل سيدي جعفر بن إدريس الكتاني في كتابه "الشرب المحتضر والسر المنتظر من معين أهل القرن الثالث عشر حيث قال ما لفظه: " ومنهم الولي الشهير والقطب الواضح الكبير الغوث الرباني أبو العباس سيدي أحمد التجاني ثم قال، والحاصل أن أوصافه عظيمة وأحواله عجيبة ومقامه في الولاية كبير".
ـ ومنهم العالم النحرير الشيخ محمد بن مخلوف التونسي في "شجرة النور الزكية في طبقات المالكية"، ص 378 ـ 379 حيث قال ما لفظه : "أبو العباس أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد الشريف التجاني العالم العامل والمتصوف العارف بالله الرباني الولي الكبير القطب الشامخ الشهير كان ذا صيت بعيد وحال مفيد، له بالمغرب وما والاها أصحاب وأتباع كثيرون ويتغالون فيه إلى حد يفوت الوصف ويعظمونه تعظيما بليغا ويصفونه بصفات عظيمة وأخلاق كريمة وينسبون إليه النهي عن زيارة القبور وبعض أهل العلم والدين يثني عليه ويصفه بالعلم والمعرفة، اشتغل بطلب العلوم الأصولية والفروعية والأدبية حتى رأس فيها وحصل أسرار معانيها وقرأ على الشيخ المبروك بن أبي عافية التجاني المضاوي مختصر خليل والرسالة ومقدمة ابن رشد والأخضري، وكان يدرس ويفتي، وله أجوبة في فنون العلم أبدى فيها وأعاد وحرر المعقول والمنقول فأفاد وفي عام 1171 رحل إلى فاس وسمع فيها شيئا من الحديث ولقي الشيخ الطيب الوزاني والشيخ أحمد الصقلي ثم رحل لتلمسان وأقام بها يدرس التفسير والحديث وغيرهما وحج سنة 1186هـ ومر بتونس وأقام بها مدة وفي طريقه للحج لقي أعلاما وأفاد واستفاد واجتمع بكثير من العلماء الأخيار ورجع بعد حجه لفاس ثم رحل لتوات وأذن له في التلقين سنة 1196هـ، والحاصل أنه جليل القدر قدم فاسا سنة 1213هـ واستوطنها والسبب في ذلك أنه كان الباي محمد بن عثمان صاحب وهران أزعجه من تلمسان إلى قرية أبي سمغون وحصل له بها الفتح وأقبل عليه أهلها، ولما توفي الباي المذكور تولى بعده ابنه عثمان وقع السعي له بالشيخ فبعث إلى أهل سمغون بتهديدهم إن لم يخرجوه، ولما بلغ الشيخ ذلك خرج منها مع بعض تلامذته وأولاده سالكا طريق الصحراء حتى دخل فاسا سنة 1213هـ وبعث رسوله إلى السلطان أبي الربيع سليمان يعلمه بأنه هاجر إليه من جور الترك، ولما اجتمع به ورأى سمته ومشاركته في العلوم أقبل عليه ومنحه دارا غاية في الاحتفال وجراية نبيهة وإذ ذاك اشتهر أمره بالمغرب فهو شيخ الطائفة التجانية، ألف في مناقبه بعض أصحابه منها: جواهر المعاني، واجتمع به الشيخ ابراهيم الرياحي بفاس حين قدم لها سفيرا وتبرك به وأخذ عنه، مولده سنة 1150 هـ وتوفي سنة 1230 هـ وكانت جنازته مشهودة وقبره بفاس متبرك به". هذه عبارته.
ـ ومنهم العالم العلامة والمؤرخ النسابة أحمد ناصر السلاوي في محال من كتابه الاستقصاء في تاريخ المغرب الأقصى، منها قوله: ج 4 ص 150: الشيخ العالم العارف الإمام أبو العباس أحمد التجاني شيخ الطائفة التجانية.
ـ ومنهم العلامة النحرير والمؤرخ الشهير خير الدين الزركلي في كتاب"الأعلام ج1 ص245 حيث قال ما لفظه: أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد الشريف التجاني أبو العباس شيخ الطائفة التجانية بالمغرب، كان فقيها مالكيا عالما بالأصول والفروع ملما بالأدب، تصوف ووعظ وأقام مدة بفاس وتلمسان وحج سنة 1186 هـ ومر بتونس وعاد إلى فاس ثم رحل إلى توات وأخرج منها فاستقر بفاس إلى أن توفي، ولبعض أصحابه كتب في سيرته، منها: جواهر المعاني والنفحة القدسية في السيرة الأحمدية.
ـ ومنهم العالم العلامة الحبر الفهامة صاحب الكرامات الباهرة والمزايا الظاهرة سيد عبد الله بن أحمد دام البنعمري الحسني فقد أثنى عليه بقصائد منها:
من كان في مذهب التجان ممتريا = = فإنني لكمال الشيخ معتقد
من ينظر الكتب التي أفاد بها = = ينظر كلام محق كله رشد
أما الذين تعاطوا ورده فلقد = = أعيى على العد حصرا منهم العدد
وليس يعدم في الأعراج غص بها = = فيح الفلا عرج في البعض أو حرد
إن يأت منتسب ينمى إليه بما = = يخالف الشرع عق الوالد الولد
فاردد عليه بمضمون الثلاثة في = = قيد عن الشيخ لا يجنح بك الحسد
سم وحي فلا تذهب لتلعقه = = إن العقول عن أسباب الردى صفد
ـ ومنهم، كما في بغية المستفيد، العالم المتبحر في العلوم الكلية والجزئية عبد الرحمن بن أحمد الشنقيطي المتوفى بفاس سنة أربع وعشرين ومائتين وألف حيث مدحه بقصيدة منها:
أحيى طريقة أهل الله فهي به = = مؤلف شملها والكسر مجبور
شيخ المشائخ من في طي بردته == جيب على النور والأسرار مأزور
من داره جنة الفردوس وهو بها = = رضوان خازنها أذكارها الحور
يفيض من سلسبيل الذكر كوثرها = = فاشرب مفجرها فأنت مأجور
أوراده عن رسول الله قد رويت = = كذاك أفعاله والسر مأثور
فانقل فديتك في آثاره قدما = = فإن فعلت فذاك النقل مدخور
واحرص بأن تنتمي يوما لجانبه = = فحظ من ينتمي إليه موفور.
ـ ومنهم العلامة حمدون بن الحاج فقد ذكر ولده في كتابه "الأشراف" أنه كان يثني عليه بالعلم والمعرفة ويقول إنه من الكمل وأنه مدحه بقصيدة منها:
إن شئت تغدو في رياض أمان = = وأردت تغدو في منى وأمان
فعليك بالبدر المنير سنى أبي الـ = = عباس أعني أحمد التيجاني
شمس السيادة قطب دائرة الهدى = = بدر السعادة كوكب الإحسان
بحر الندى مبد لنا حكما سمت = = كفرائد في العقد والتيجان
حبر إمام قد سما بمعارج = = في الصالحات ولم يكن متوان
المحور الرابع
وأما المحور الرابع المتعلق بالترجمة عن الشيخ محي الدين بن عربي فإنه رضي الله عنه شهد له الجمهور من علماء الأثر والفقه أنه بلغ رتبة المجتهد المطلق في العلوم النقلية والعقلية وأنه الشيخ بجميع مراتبه في التربية والترقية ومنحه الله من الكرامات الباطنة والظاهرة ما لا يدخل تحت الحصر، ولذا، فقد قال عنه الحافظ ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية ص 295 ـ 296 ما لفظه: الذي أثرناه عن أكابر مشائخنا العلماء الحكماء الذين يستسقى بهم الغيث وعليهم المعول وإليهم المرجع في تحرير الأحكام وبيان الأحوال والمعارف والمقامات والإشارات أن الشيخ محي الدين بن عربي من أولياء الله تعالى العارفين ومن العلماء العاملين، وقد اتفقوا على أنه كان أعلم أهل زمانه بحيث أنه كان في كل فن متبوعا لا تابعا وأنه في التحقيق والكشف والكلام على الفرق والجمع بحر لا يجارى وإمام لا يغالط ولا يمارى وأنه أورع أهل زمانه وألزمهم للسنة وأعظمهم مجاهدة حتى أنه مكث ثلاثة أشهر على وضوء واحد وقس على ذلك ما هو من سوابقه ولواحقه ووقع له ما هو أعظم من ذلك وهو أنه لما صنف كتابه الفتوحات المكية وضعه على ظهر الكعبة ورقا من غير وقاية عليه فمكث على ظهرها سنة لم يمسسه مطر ولا أخذ منه الريح ورقة واحدة مع كثرة الرياح والأمطار بمكة فحفظ الله كتابه هذا من هذين الضدين دليل أي دليل وعلامة أي علامة على أنه تعالى قبل منه ذلك الكتاب وأثابه عليه وحمد تصنيفه له فلا ينبغي التعرض للإنكار عليه فإنه السم القاتل في وقته كما شاهدناه وجربناه في أناس حق عليهم من المقت وسوء العقاب ما أوجب عليهم التعرض لهذا الإمام العارف بالإنكار حتى استأصل شأفتهم وقطع دابرهم فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم فمعاذ الله من أحوالهم وتضرعا إليه بالسلامة من أقوالهم.
وقال عنه أيضا وعن ابن الفارض وطائفتهما كما في الفتاوى الحديثية ص51ـ52 ما لفظه: ملخص ما نعتقده في ابن عربي وابن الفارض وتابعيهما بحق الجارين على طريقتهما من غاية إتقان علوم المعاملات والمكاشفات ومن غاية الزهد والورع ومعاملة الحق ومراقبته في كل نفس كما تواتر ذلك عن كلا هذين الرجلين العظيمين أنهم طائفة أخيار أولياء أبرار بل مقربون ومن رق السوى أحرار لا مرية في ذلك إلا عند من لا بصيرة له، وكفاك حجة على ولايتهما تصريح كثيرين من الأكابر بها وبأنهما من الأخيار المقربين كالشيخ العارف والإمام الفقيه المحدث المتقن عبد الله اليافعي نزيل مكة المشرفة وعالمها ومن ثم قال الأسنوي في ترجمته: فاضل الأبطح وعالمها وقال: الحمد لله الذي ابتدأ كتبنا بالشافعي وختمها باليافعي وكالشيخ المجمع على عدالته وعلمه بمذهب مالك وغيره وعلى معرفته التاج بن عطاء الله وناهيك بحكمه وتنويره دليلا على ذلك حتى قالوا كادت الحكم أن تكون قرآنا يتلى وكالشيخ الإمام والعلامة المحقق الشافعي الأصولي التاج السبكي وكشيخنا خاتمة المتأخرين وواسطة جمع المحققين زكرياء الأنصاري وكالشيخ العلامة البرهان بن شريف وناهيك بهذين العالمين فيكفيك ما قاله هؤلاء الأئمة العارفون العاملون الفقهاء الأولياء وما صرحوا به من أن كلا الإمامين المذكورين وطائفتهما أي التابعين لهما بحق كما قدمته أولياء أخيار أتقياء أبرار، قال: ومما يدلك على إتقانهم لتلك العلوم المذكورة ما حكاه الذهبي وكان من المنكرين على الشيخ محي الدين بن عربي أن سلطان المغرب أمر أن لا يقيم ببلاده إلا رجل يبلغ درجة الاجتهاد بحيث لا يتقيد بمذهب أحد فأجمع رأي علماء بلاده على ستة منهم وكان من الستة الشيخ محي الدين.
قلت:وقال فيه الشعراني في اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ج1 ص7-9 ما لفظه : "وأما من أثنى على الشيخ من العلماء ومدح مؤلفاته فقد كان الشيخ مجد الدين الفيروزاباذي صاحب كتاب القاموس في اللغة يقول: "لم يبلغنا عن أحد من القوم أنه بلغ في علم الشريعة والحقيقة ما بلغ الشيخ محي الدين أبدا"، وكان يعتقده غاية الاعتقاد وينكر على من أنكر عليه ويقول:" لم يزل الناس منكبين على الاعتقاد في الشيخ وعلى كتابة مؤلفاته بحلي الذهب في حياته وبعد وفاته إلى أن أراد الله ما أراد من انتصاب شخص من اليمن إسمه جمال الدين بن الخياط فكتب مسائل في درج وأرسلها إلى العلماء ببلاد الإسلام وقال هذه عقائد الشيخ محي الدين بن عربي وذكر فيها عقائد زائغة ومسائل خارقة لإجماع المسلمين فكتب العلماء على ذلك بحسب السؤال وشنعوا على من يعتقد ذلك من غير تثبت والشيخ عن ذلك كله بمعزل، قال: "فلا أدري أوجد ابن خياط تلك المسائل في كتاب مدسوس على الشيخ أو فهمها هو من كلام الشيخ محي الدين على خلاف مراده"، قال: "والذي أقوله وأتحققه وأدين الله تعالى به أن الشيخ محي الدين كان شيخ طريقة حالا وعلما وإمام التحقيق حقيقة ورسما ومحي علوم العارفين فعلا وإسما،
إذا تغلغل فكر المرء في طرف = = من مجده غرقت فيه خواطره
لأنه بحر لا تكدره الدلاء وسحاب تتقاصر عنه الأنواء، كانت دعواته تخرق السبع الطباق، وتغترف بركاته فتملأ الآفاق، وهو يقينا فوق ما وصفته وناطق بما كتبته وغالب ظني أنني ما أنصفته،
وما علي إذا ما قلت معتقدي = = دع الجهول يظن الجهل عدوانا
والله والله والله العظيم ومن = = أقامه حجة للدين برهانا
إن الذي قلت بعض من مناقبه = = ما زدت إلا لعلي زدت نقصانا
قال: " وأما كتبه رضي الله عنه فهي البحار الزواخر التي ما وضع الواضعون مثلها ومن خصائصها ما واظب أحد على مطالعتها إلا وتصدر لحل المشكلات في الدين ومعضلات مسائله"، قال: "وقد قدموا إلي مرة سؤالا صورته: "ما تقول في الكتب المنسوبة إلى الشيخ محي الدين بن عربي كالفصوص والفتوحات هل تحل قراءتها أو إقراؤها وهل هي من الكتب المسموعة المقروءة أم لا ؟" فأجبت نعم هي من الكتب المسموعة المقروءة وقد قرأها عليه الحافظ البرزالي وغيره"، ورأيت إجازة بخط الشيخ محي الدين على حواشي الفتوحات المكية بمدينة قونية وكتابة طبقة بعد طبقة من الفقهاء والمحدثين، فمطالعة كتب الشيخ قربة إلى الله، ومن قال غير ذلك فهو جاهل زائغ عن طريق الحق، فلقد كان والله في زمنه صاحب الولاية والصديقية الكبرى فيما نعتقد وندين الله تعالى به خلاف ما عليه جماعة ممن مقتهم الله تعالى فحرموا فوائده ووقعوا في عرضه بهتانا وزورا وحاشا جنابه الكريم أن يخالف كلام نبيه الذي استأمنه على شرعه ومن أنكر عليه وقع في أخطر الأمور،
علي نحت القوافي من معادنها = = وما علي إذا لم تفهم البقر
قال: " وبالجملة، فما أنكر على الشيخ إلا بعض الفقهاء القح الذين لا حظ لهم في شرب المحققين، وأما جمهور العلماء والصوفية فقد أقروا بأنه إمام أهل التوحيد وأنه في العلوم الظاهرة فريد وحيد". هذه عبارة الفيروزاباذي.
وقال الشعراني في اليواقيت أيضا ج1 ص 10 ما لفظه : "وسئل العماد بن كثير رحمه الله عن من يخطئ الشيخ محي الدين، فقال: "أخشى أن يكون مخطئه هو الخاطئ، وقد أنكر قوم عليه فوقعوا في المهالك".
وقال عنه ابن العماد في شذرات الذهب ج 5، ص95: لما ترجم له ما لفظه: "برز منفردا مؤثرا للتخلي والانعزال عن الناس ما أمكنه حتى أنه لم يكن يجتمع به إلا الأفراد ثم آثر التآليف فبرزت عنه مؤلفات لا نهاية لها تدل على سعة باعه وتبحره في العلوم الظاهرة والباطنة وأنه بلغ مبلغ الاجتهاد في الاختراع والاستنباط وتأسيس القواعد والمقاصد التي لا يدريها ولا يحيط بها إلا من طالعها بحقها غير أنه وقع له في بعض تصانيفه كلمات كثيرة أشكلت ظواهرها وكانت سببا لإعراض كثيرين لم يحسنوا الظن به ولم يقولوا كما قال غيرهم من الجهابذة المحققين والعلماء العاملين والأئمة الوارثين أن ما أوهمته تلك الظواهر ليس هو المراد وإنما المراد أمور اصطلح عليها متأخرو أهل الطريق غيرة عليها حتى لا يدعيها الكذابون فاصطلحوا على الكناية عنها بتلك الألفاظ الموهمة خلاف المراد غير مبالين بذلك لأنه لا يمكن التعبير عنها بغيرها".


نحن الذين جعلنا من "سنيم" شيئا مذكورا..