24 آب/أغسطس 2011
الاثنين 22 آذار (مارس) 2010
![]() |
من معاني القاعدة في اللغة الأساس: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل - فأتى الله بنيانهم من القواعد). وقواعد الهودج خشباته الجارية مجرى قواعد البناء. وقواعد السحاب أصولها المعترضة في آفاق السماء، شبهت بقواعد البناء. وذكر ابن الأثير أن المراد بقواعد السحاب: ما اعترض منها وسفل، تشبيها بقواعد البناء.
وتطلق القاعدة على الضابط والأمر الكلي المنطبق على جزئيات .
واصطلاحا "قضية كلية يتعرف منها أحكام جزئياتها" أو "حكم شرعي كلي منطبق على جزئيات من أبواب متفرقة".
الفرق بين القاعدة والضابط الفقهي:
والفرق بين القاعدة والضابط أن القاعدة تجمع فروعا من أبواب شتى مثل "الأمور بالمقاصد" فهذه قاعدة تجمع فروعا من أبواب مختلفة مثل العبادات والبيوع والنكاح، أما الضابط فيجمعها من باب واحد مثل «أيما إهاب دبغ فقد طهر» فهذا ضابط يختص بباب الأواني من كتاب الطهارة والفرق بينهما كما يبدوا مجرد اصطلاح لا يستند إلى أمر جوهر كامن في حقيقتهما.
والمتقدمون يطلقون القاعدة ويريدون بها أيضا الضابط من غير ما تمييز، لذلك قال صاحب شفاء الغليل في شرحه على المنهج المنتخب: (والقاعدة والضابط والقانون والكل ألفاظ مترادفة) ، لذلك يتساهلون ويطلقون لفظ (القاعدة) على ما هو (ضابط) مختص في باب معين من أبواب الفقه.
والحقيقة أن القاعدة غير الضابط، فهي أعم منه وهو أخص منها، بحيث إن القاعدة يندرج تحتها فروع عديدة من أبواب مختلفة؛ مثلا قاعدة (الضرر يزال) قاعدة أساسية كبرى تدخل في أبواب فقهية متعددة، كالنكاح، والطلاق، والبيوع، والحدود، والأطعمة، والجهاد، وغير ذلك.
أما الضابط فإنه يجمع فروعا في باب فقهي واحد، فالضابط الأول المذكور آنفا خاص بباب الصلاة في مسألة اشتراط النية في عدد الركعة، فإن نوى القصر ثم أتم عكسه تصح صلاته أم لا تصح؟ فيه خلاف في المذهب .
وقد فرق بعض العلماء بين القاعدة والضابط، فقال ابن نجيم الحنفي في الأشباه والنظائر: (والفرق بين الضابط والقاعدة أن القاعدة تجمع فروعا من أبواب شتى، والضابط يجمعها من باب واحد) .
وقال أبو زيد البناني المغربي في حاشيته على شرح المحلي على جمع الجوامع: (والقاعدة لا تختص بباب بخلاف الضابط) .
وهناك فرق آخر بينهما وهو أن القاعدة غالبا ما تكون محل اتفاق بين المذاهب، وإن اختلف التفريع عليها، أما الضابط فكثيرا ما يكون مذهبيا، بمعنى أنه مختص بمذهب دون آخر، فمثلا القواعد الخمس الكبرى: الأمور بمقاصدها، المشقة تجلب التسيير، الضرر يزال، اليقين لا يزول بالشك، العادة محكمة، متفق عليها في المذاهب، بينما الضابط الفقهي الذي يقول: (الطَّوْل هل هو المال أو وجود الحرة في العصمة؟) فيه خلاف، فالجمهور على أن الطول هو المال الذي يقدر به خائف العنت على أن يتزوج حرة مسلمة، وعليه لا يجوزله نكاح الأمة، أما الأحناف فاعتبروا الطول وجود الحرة في العصمة، وعليه عندهم ولو خاف العنت ولم يكن تحته حرة مسلمة جاز له نكاح الأمة .
الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية
بالنظر إلى حقيقة علم أصول الفقه، وعلم الفقه، وعلم القواعد الفقهية، نجد أن الأحكام الفقهية مستنبطة من الأدلة الشرعية باستخدام قواعد أصول الفقه.
فمثلا: تحريم الزنا مستنبط من قوله تعالى :(ولا تقربوا لزنى) لان القاعدة الأصولية (النهي يفيد التحريم ما لم تصرفه قرينة).
فإذا ما تكونت الأحكام الفقهية المتعددة، المستنبطة من أدلة الشرع عن طريق استخدام القواعد الأصولية احتاج الفقيه إلى ضبط شتات هذه الأحكام الكثيرة وربط شاردها، وهنا تكمن وظيفة القواعد الفقهية التي ينتظم تحت كل قاعدة منها أحكام شرعية كثيرة ومن أبواب متفرقة لوجود علة مشتركة بينها.
ومثلا: قاعدة (الضرر يزال) يندرج تحتها الكثير من مسائل الفقه، ومن ذلك: الرد بالعيب، وأنواع الخيار، والتعزير، وإفلاس المشتري، وحتى الرد بالعيب في باب النكاح يندرج تحت هذه القاعدة، لرفع الضرر عمن غرر به من الزوجين، وإقامة الحدود إنما شرعت حماية للحرمات، وحفاظا عليها ودفعا للضرر عنها، وغير ذلك من مسائل الفقه.
ويمكن تلخيص الفرق بين القاعدة الفقهية والأًصولية في النقاط الآتية:
أ- علم أصول الفقه يندرج تحته جملة من الأدلة الإجمالية التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها. أما علم القواعد الفقهية فهو مجموعة من الأحكام الفقهية المتشابهة التي ترجع إلى حديث نبوي يجمعها أو إلى ضابط فقهي ينظمها، أو إلى قياس واحد يربطها.
ب- القواعد الأصولية ناشئة في أغلبها من الألفاظ العربية-كما قال القرافي في الفروق - أما القواعد الفقهية فناشئة عن الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية.
ج- القواعد الأصولية مطردة لا يكاد يكون فيها استثناء، أما قواعد الفقه فتكثر فيها الاستثناءات، بل لا يكاد يخلو كثير منها من ذلك، لذلك لم يجز كثير من العلماء الفتوى بمقتضاها .
د- القواعد الأصولية تسبق الأحكام الفقهية، وأما القواعد الفقهية فهي لاحقة وتابعة لوجود الفقه وأحكامه وفروعه.
أهمية علم القواعد الفقهية
ذكر الإمام شهاب الدين القرافي أهمية القواعد الفقهية وفوائدها في كتابه الماتع "أنوار البروق في أنواء الفروق"، فقال رحمه الله : (والقسم الثاني قواعد كلية فقهية، جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى... وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتوى وتكشف، فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع، وحاز قصب السبق من فيها وبرع، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية، تناقضت عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها، ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب) .
وقال الإمام تاج الدين السبكي رحمه الله في أشباهه : (... أما استخراج القوى وبذل المجهود في الاقتصار على حفظ الفروع من غير معرفة أصولها ونظم الجزئيات بدون فهم مأخذها، فلا يرضاه لنفسه ذو نفس أبية، لاحاملة من أهل العلم بالكلية... وإن تعارض الأمران- أي حفظ الفروع وتعلم القواعد- قصر وقت طالب العلم عن الجمع بينهما- لضيق أو غيره من آفات الزمان- فالرأي لذي المذهب الصحيح الاقتصار على حفظ القواعد وفهم المآخذ) .
ويمكن تلخيص أهمية هذا العلم فيما يأتي:
أ- بالقواعد الفقهية يستطيع الفقيه أن يضبط الكثير من مسائل الفقه وينظمها في سلك واحد، لأنها راجعة إلى حكم واحد ومقصد واحد.
ب- حفظ الفروع والجزئيات صعب لكثرتها، وإن حفظت تنسى، أما القاعدة فهي سهلة الحفظ بعيدة النسيان لأنها مصوغة صياغة موجزة سهلة، ومتى عرض للفقيه فرع أو مسألة فإنه يستحضر القاعدة بسرعة.
ج- القواعد الفقهية تسهل على الفقيه معرفة حكم كل ما يستجد من المسائل، وذلك من خلال إلحاق النظير بنظيره، فإن كل مسألة جديدة لا تخلو من شبيه لها يندرج تحت قاعدة من القواعد الفقهية.
د- إن القواعد الفقهية تمكن الفقيه من تعاهد ما يحفظ من فروع، وتساعده على تذكرها واستحضارها بسرعة والمرور بأكثرها من خلال مراجعة القواعد.
هـ- الأحكام الجزئية قد يتعارض ظاهرها ويبدو على عللها التناقض، وذلك يجعل الطالب والباحث يقعان في الارتباك والخلط، وقد تشتبه على المرء الأمور حتى يبذل جهده لمعرفة الحقيقة. أما القاعدة الفقهية فإنها تضبط المسائل الفقهية، وتنسق بين الأحكام المتشابهة، وترد الفروع إلى أصولها، وتسهل على الطالب إدراكها وأخذها وفهمها.
و- تساعد القواعد الفقهية على إدراك مقاصد الشريعة، وأهدافها العامة، لأن مضمون القواعد يرشد إلى معرفة الغايات والمقاصد مثل (الضرر يزال) و (المشقة تجلب التسيير) قاعدتان عظيمتان تدلان على مقصد رفع الحرج في الشريعة الإسلامية السمحة.
ز- القواعد الفقهية تنمي ملكة الاستنباط عند الناظر في المسائل الفرعية والنوازل الفقهية من خلال دراسته لها ودراسة الأبواب المندرجة تحتها.


في عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.