22 آب/أغسطس 2011
من كتب الطريقة التجانية الصوفية
الاحد 7 شباط (فبراير) 2010
![]() |
المحور الخامس
وأما المحور الخامس المتعلق بالترجمة عن الإمام البكري، فإنه رضي الله عنه ترجمه جماعة من جلة العلماء من بينهم المناوي والغزي والشعراني والشيخ إبراهيم العبيدي والنبهاني، وقد أفرده بالترجمة ولده الشيخ أبو السرور البكري في كتاب سماه الكوكب الدري في مناقب الأستاذ محمد البكري، قال النبهاني في جامع كرامات الأولياء ج 1 ص 312 ما لفظه: " محمد بن أبي الحسن المصري الولي الكبير أحد مشاهير العارفين"، قال المناوي : "سمعته يقول: "إن لله عبدا بين أظهركم حاضرا معكم في مجلسكم هذا ينزل إليه في كل يوم ملك صبيحة يأمره بمكارم الأخلاق وينهاه عن مساويها"، يعني نفسه.
وقال الغزي في ترجمته: "سيدي أبو المكارم شمس الدين محمد البكري الكبير الشيخ الإمام شيخ الإسلام أستاذ الأستاذين وإمام الأولياء العارفين شمس الدين بن أبي الحسن البكري من كراماته ما حدث عنه أحد جماعته الشيخ الفاضل عبد الرحيم الشعراوي، قال : "جاورت بمكة المشرفة مع الأستاذ سيدي محمد البكري الصديقي في بعض مجاوراته وكنت كثير الملازمة له شديد الاتصال به، فبينما هو جالس يوما بالحرم الشريف بباب إبراهيم وأنا عنده، إذ جاءه الخادم من منزله فطلب شيئا من النفقة ولم يكن معه إذ ذاك ما ينفق، فقال للخادم: "نرسل الآن إن شاء الله"، فمضى الخادم ثم عاد ولح في الطلب، فأجاب الشيخ بما أجاب أولا وتكرر ذلك من الخادم فنهض الشيخ للطواف وأنا معه وهو يقول:
صوح النبت فاسقه = = قطرة من سحائبك
وأغثنـــا فإننا == في ترجي مواهبك
وما زال يكررها في الطواف وإذا بشخص هندي أقبل على الشيخ وقبل يده ورفع له من جيبه صرة من الدنانير وقال: يا سيدي هذه هدية لك أرسلها معي ملك الهند فسجد الشيخ شكرا لله تعالى وانقلب إلى أهله مسرورا".
قال الغزي : وبلغني أن رجلا ذكر سيدي محمد البكري مرة فقال : "لا أدري كيف أمر الشيخ في سعة دنياه وتبسطه فيها إلى حد الإسراف، فمر عليه الشيخ فلما قبل يديه قال له : "يا بني الدنيا بأيدينا وليست في قلوبنا"، مات سنة 994 هـ وجاء تاريخه بالجمل "مات قطب العارفين".
قال الشيخ إبراهيم العبيدي في كتابه عمدة التحقيق في بشائر آل الصديق: قال الشيخ أبو السرور البكري في كتابه الكوكب الدري في مناقب الأستاذ محمد البكري : "ومن كراماته رضي الله عنه ما ذكر عنه أنه حج سنة من السنين وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم فلما جلس بين الروضة والمنبر خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم شفاها وقال له بارك الله فيك وفي ذريتك"، ثم قال: "لا يخفاك أن عموم بيتهم وبيت قصيدهم وقطب دائرتهم على الشمول والاستغراق الأستاذ محمد أبو المكارم البكري، فإن الأستاذ سيدي عبد الوهاب الشعراني ترجم عن كل من أكابر الأولياء إلا سيدي محمد البكري فإنه اعترف بالعجز عن ترجمته وقال عنه: "هذا لا يظهر أمره إلا في الآخرة".
قال صاحب عمدة التحقيق : فلذلك أحببت أن أذكر شيئا من تراجمه تبركا به رضي الله عنه. ونقل عنه أنه قال في ترجمته نفسه ما نصه: مولد الفقير ليلة الأربعاء ثالث عشر ذي الحجة الحرام ختام عام سنة 930 هـ ونشأت في حجر أبي الأستاذ الأعظم المجتهد المطلق العالم الرباني أبي الحسن تاج العارفين البكري الصديقي أحله الله من دار النعيم بفردوسه ومن حظائر القدس بتقديسه وختمت القرآن العظيم حفظا عن ظهر قلب في أواخر السابعة من عمري وصليت به إماما في تراويح شهر رمضان في مقام السادة المالكية عند الكعبة الشريفة في الثامنة وفيها حفظت ألفية ابن مالك وعرضتها على الأجلاء من العلماء الأعلام بمكة فشافعيهم العلامة إسماعيل القيرواني ومالكيهم العالم الكامل محمد الحطاب الكبير وحنفيهم مفتي الديار الحلبية العلامة بركة المسلمين ابن بولاد حيث كان مجاورا بمكة المشرفة ذلك العام وكتب لي كل منهم إجازة طنانة بجميع ما يجوز له وعنه روايته وأتممت حفظ التنبيه للإمام الحجة المجتهد ولي الله الشيخ أبي إسحاق الشيرازي في فقه الإمام الأعظم محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه قبل تمام العاشرة وعرضته على أعيان بلدتنا مصر حينئذ فشافعيهم شيخ الإسلام أبو العباس أحمد الرملي ومالكيهم محقق العصر ناصر الدين اللقاني وحنفيهم قاضي القضاة شيخ الإسلام أبو الحسن الطرابلسي عم الله الجميع برحمته وشرعت في حضور دروس والدي بالبحث والاستفادة والقراءة عليه في أنواع العلوم من حينئذ إلى وفاته رضي الله تعالى عنه حضورا مختلفا باختلاف ما قرأت وسمعت واختلاف حالي في ذلك فهما وتلقيا واستوفيت حضور دروس القرآن العظيم تفسيرا بقراءتي وقراءة غيري مرات وصحيح الإمام البخاري دراية لغالبه ورواية لباقيه وصحيح الإمام مسلم وغير ذلك من كتب السنة ومجامع الحديث وكتب الفقه، وقصارى القول لا شيخ لي في إفادة العلوم على طريق البحث وأوضاع التلمذة الخاصة إلا والدي رضي الله عنه، وشرعت في التصنيف في حدود السادسة عشرة فشرعت حينئذ في الاختصار في فقه إمامنا الشافعي رضي الله عنه وبعد ذلك في قطع من مؤلفات فقهية ورسائل كاملة صوفية وأذن لي والدي رضي الله عنه في الكلام على الناس على طريقة القوم فيما يتلقون من الحق ويلقون على الخلق من غير ترو وإن كان مع ترو من مناهج الفيض الإلهي وذلك في آخر شوال سنة 948هـ بمجلس كلامه على الناس وابتدأت في إقراء القرآن والحديث والفقه بالمسجد المشهور بالجامع الأبيض المشهور بجدي ووالدي رضي الله عنهما عام إحدى وخمسين وتسعمائة وفي ذلك العام قال والدي في محفل من الناس وهو بمكة : "وكنت أنا بمصر: الذي حصل لولدي محمد في هذا العام لو قام بعض جماعتي وعين فضلاءهم ستين سنة يشتغلون ما وصلوا إليه".
وقال رضي الله عنه في الحجة الأخيرة : "إن قدمت هذه المرة تكون شيخا مربيا"، فلما قدم تلقيته وقلت له : "يا والدي هل أنجزتني ما وعدتني" ، فقال نعم وزيادة، عرضتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت: "ما لولدي محمد، فقال: "لو أخبرت قريشا بما لها عند الله لبطرت".
وفي يوم الإثنين بعد ظهره ثالث عشر شهر ربيع الأول سنة 952 هـ توفي والدي رضي الله عنه عن أربعة وخمسين عاما وثمانية وخمسين يوما فجلست بإذنه لي قبل أن ينتقل إلى الدار الآخرة في الجامع الأزهر في محل تدريسه لإقراء العلوم الشرعية تفسيرا وحديثا وفقها، والكلام بلسان الحقائق والمعارف، ولم يزل الله تعالى يمتن علي بما يكاثر النجوم ونظمت في الطريقة ديوانا سميته ترجمان الأسرار، ثم قال بعد وصف الديوان وشعره فيه: "ثم إن الله تعالى ـ وله المنة والفضل ـ أنعم علي بالتكلم على نقطة البسملة في الجامع الأزهري في ألفي مجلس ومائتي مجلس وفي الألف في افتتاح الإسم الجامع من آية الكرسي أكثر من ذلك وفهم القلب من وحي الإلهام الرباني أن ذلك وظيفة العمر وعسى الله أن يجعل من أبناء الفقير من يقوم بذلك من بعده"، هذه عبارته.
المحور السادس
وأما المحور السادس فهو المتعلق بأبي يزيد البسطامي رضي الله عنه، وقد قال عنه الذهبي في العبر ج 1 ص235 : أبو يزيد البسطامي العارف الزاهد المشهور، وقال عنه في الميزان ج2 ص 246 : "طيفور بن عيسى أبو يزيد البسطامي شيخ الصوفية له نبأ عجيب وحال غريب وهو من كبار مشائخ الرسالة، وما أحلى قوله: "لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف هو عند الأمر والنهي وحفظ حدود الشريعة".
وقد نقلوا عن أبي يزيد أشياء الشأن (وفي نسخة الشك) في ثبوتها عنه منها: "سبحاني، وما في الجبة إلا الله، ما النار لأستندن إليها، وأقول اجعلني لأهلها فداء أو لأبلغنها، ما الجنة لعبة صبيان، هب لي هؤلاء اليهود، ما هؤلاء حتى تعذبهم"، ومن الناس من يصحح هذا عنه ويقول:"قاله في حال سكره".
قال أبو عبد الرحمن السلمي: "أنكر عليه أهل بسطام ونقلوا إلى الحسين بن عيسى البسطامي أنه يقول: "له معراج كما كان النبي صلى الله عليه وسلم"، ثم قال الذهبي:" قلت : كان الحسين من أئمة الحديث وأبو يزيد من أهل الفرق (وفي نسخة الفناء) فمسلم (وفي نسخة فنسلم) له حاله والله يتولى السرائر ونتبرأ إلى الله من كل من تعمد مخالفة الكتاب والسنة.
وقال عنه في سير أعلام النبلاء ج 13 ص 86 : "سلطان العارفين أبو يزيد طيفور بن عيسى"، قال وله كلام نافع منه، قال : "ما وجدت شيئا أشد علي من العلم ومتابعته ولولا اختلاف العلماء لبقيت حائرا".
وعنه، قال:"هذا فرحي بك وأنا أخافك فكيف فرحي بك إذا أمنتك، ليس العجب من حبي لك وأنا عبد فقير، إنما العجب من حبك لي وأنت ملك قدير".
وعنه وقيل له: إنك تمر في الهواء، فقال :"وأي أعجوبة في هذا وهذا طير يأكل الميتة يمر في الهواء".
وعنه : "ما دام العبد يظن أن في الناس من هو شر منه فهو متكبر"، "الجنة لا خطر لها عند المحب لأنه مشغول عنها بمحبته".
وقال: " ما ذكروا مولاهم إلا بالغفلة ولا خدموه إلا بالفترة"، وسمعوه يوما وهو يقول: "اللهم لا تقطعني بك عنك، العارف فوق ما نقول والعالم دون ما نقول"، وقيل له: علمنا الإسم الأعظم، فقال:"ليس له حد إنما هو فراغ قلبك لوحدانيته، فإذا كنت كذلك فارفع له أي إسم شئت من أسمائه إليه". هذه عبارة الذهبي فيه وبها أختتم المحاور التمهيدية، وأخلص إلى الرد على هذا الجاهل المغرض، فأقول وبالله أصول:
"أما قوله بأنه وقف على المقال الذي كتبته في التوسل وأنه رأى أن هناك قواعد أساسية لا بد منها وأن تلك القواعد (في نظره) هي : الإيمان والرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن والسنة واليوم الآخر، فالرد عليه من ثلاثة أوجه:
أولها: أن من كان بمثابته من الجهل والتعصب لا يمكنه بوجه من الوجوه أن يقيم أو يقوم بحثي الأصولي المحكم المشبك بقواعد علم الصناعة الحديثية الذي لم يترك شاذة ولا فاذة لمن حاول تضعيف حديث الضرير إلا وجعلها كرماد اشتدت به الرياح في يوم عاصف، وكذلك لا يستساغ له أن يسميه بالمقال تقليلا من شأنه.
ثانيها : أن عدوله وإعراضه عن موضوع التوسل إلى اختلاق مسائل خارجة عنه إن دل على شيء فإنما يدل على ضعف حجته وتعصبه لرأيه وتهربه من مواطن التحقيق ورغبته عن صحيح السنة.
ثالثها: أن قوله بأن الإيمان والرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن والسنة واليوم الآخر قواعد هو أدل دليل على جهله المركب بمدلولات الألفاظ وتراكيب الكلام وبالإيمان والرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن والسنة واليوم الآخر لأن لفظ القاعدة في الاصطلاح العرفي عند أئمة التقعيد لا يطلق على الإيمان ولا ينطبق على ما فسره به النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام بقوله الفصل الذي في الصحيحين وغيرهما "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره" وأيضا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن والسنة واليوم الآخر لا يستساغ إطلاق لفظ القاعدة على أي منهم لا في اللغة ولا في عرف الشرع.
وأما قوله في المسألة الأولى من المسائل التي تساءل عنها: " هل تعتقد أن الله هو الوجود المطلق فكل المخلوقات حتى الأوثان هي الله كما هو مسطور في كتبكم المعتمدة، أو تعلم أن الله خالق كل شيء" فالرد عليه من ثلاثة أوجه:
أولها: أن تلفظه بهذا السؤال الركيك المصدر بما يوهم التشكيك في وجود الله سبحانه وتعالى لا يخلو فيه من أحد أربعة أمور: إما أن يكون من باب طرح الشبهة لردها أو يكون من باب الرواية باللفظ أو بالمعنى أو يكون على سبيل الإكراه أو يكون على سبيل التقول والافتراء. أما كونه من طرح الشبهة لردها فبابه مسدود عنه لأمرين: أولهما أنه اختلق هذه الشبهة وطرحها ولم يردها. ثانيهما : أن طرح الشبه العقدية النازلة بالمسلمين لردها واجب كفائي على من تمرس به من حذاق علماء السنة الجامعين بين علمي المنقول والمعقول وعلم محل الاختلاف والائتلاف وأين هو ممن هذا وصفه؟ وأما كونه من الرواية باللفظ أو بالمعنى فبابه مسدود عنه أيضا لأن جملة "فكل المخلوقات حتى الأوثان هي الله" لا توجد في كتاب من كتب طريقتنا التجانية على الجملة والتفصيل ولأن الرواية بالمعنى اشترط علماء الحديث في جوازها العدالة والثقة ومعرفة مدلولات الألفاظ وما تحيل إليه العبارة، فأين هو ممن اجتمعت فيه هذه الشروط ؟
وأما كونه من الإكراه فبابه مسدود عنه لأنه غير مكره على اختلاق هذه الجملة الكفرية وطرحها وإلا فمن الذي أكرهه أو من ذا الذي أغراه ؟
وأما كونه من التقول والافتراء فهو الباب الذي دخل منه في جميع افتراضاته واعتراضاته وهو مصطدم في ذلك بقوله تعالى ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله وبقوله تعالى: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا وبقوله تعالى: إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله، وبما رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا النسائي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا". وبما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب".
ثانيها: أنني أقول لهذا الجاهل المغرض المتسائل وإن كان لا يستحق جوابا: إنني أعتقد أن الله موجود وجودا واجبا قديما أزليا أبديا مطلقا لا يتقيد بقيود المخلوقات الممكنة الوجود والعدم، وأنه غني بذاته عن مخصصي الزمان والمكان وغير ذلك من جميع الأعراض ولوازمها، وهذا المعتقد من مسلمات العقول المستمدة من نصوص القرآن والسنة وقواعد الأصول، ولا أعتقد أن الله جل جلاله وتقدس شأنه هو الوجود المطلق بالمعني الفلسفي الكفري ذي طرحه هو على الوجه المعروف عند قدماء فلاسفة اليونان وأعتقد أن قوله تعالى: (ليس كمثله شيء، نفى به الكم والكيف عن ذاته وصفاته وأسمائه وقوله تعالى: وهو السميع البصير أثبت به لذاته العلية جميع صفات الكمال المطلق وقوله تعالى ولا يحيطون به علما نفى بمنطوقه إحاطة علم المخلوقين بكنه ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأثبت به لذاته الوجود الواجب المطلق وقوله تعالى وإلهكم إله واحد أفرد به نفسه بالألوهية وأثبت به لنفسه الوحدة المطلقة في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله.
وبالجملة، فإن هذا المتسائل لا يخلو في هذا التساؤل من أحد ثلاثة أمور: إما أن يكون يعتقد أن الله موجود وجودا مطلقا على الوجه الذي قدمناه مؤصلا ومفصلا وهو احتمال بعيد جدا لمغايرته معتقد أئمته في الحشو القائلين بحصر ذات الله في جهة الفوق المقابل للتحت فقيدوا وجود الله بالقيود الكونية وهذا معتقد فاسد لاصطدامه بقوله تعالى : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وبما في مضمارها كتابا وسنة، وإما أن يكون يعتقد أنه موجود إلا أنه لا يدري أهو مقيد الوجود أم هو مطلقه، فيكون جاهلا مرتابا في عقيدته وحينئذ يكون أول واجب عليه تصحيح معتقده من قبل أن يدلي دلوه في محارات الشبه العقدية.
وإما أن يكون يعتقد أن الله هوا لوجود المطلق بالمعنى الفلسفي الذي طرحه في تساؤله ولا يخفى على غير الجاهل ما في هذا المعتقد من الكفر البواح.
ثالثها أن تساؤله هذا يعكس بجلاء مدى تأثره بمعتقد قدماء فلاسفة اليونان القائلين باتحاد العالم وخالقه وحلول الخالق في العالم ووجودهما معا وجودا قديما مطلقا متحدا في ذات قديمة عبروا عنها بالهيولي، والهيولي كما في كتاب التعريفات للجرجاني ص 173 لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة وفي الاصطلاح جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال محل للصورتين الجسمية والنوعية، وفي القاموس المحيط: الهيولي وتشدد الياء مضمومة عن ابن القطاع: القطن وشبه الأوائل طينة العالم به أو هو في اصطلاحهم موصوف بما يصف به أهل التوحيد الله أنه موجود بلا كمية ولا كيفية ولم يقترن به شيء من سمات الحدث ثم حلت به الصنعة واعترضت به الأعراض فحدث منه العالم. هذه عبارته.
قلت : "وخلاصة القول بعد السبر والتقسيم أن من ذاق تجريد التوحيد من أهل العلم والمعرفة بالله لا يستساغ عنده من طريق النظر والاستدلال إطلاق لفظ الوجود المطلق حقيقة إلا على وجود الله الواجب الوجود ولا يطلقه على الكون لأنه مكتنف بالعدم السابق واللاحق لوجوده.
وأما اعتراضه على قول الشيخ التجاني في جواهر المعاني ج1 ص159: "فكل عابد أو ساجد لغير الله في الظاهر فما عبد ولا سجد إلا لله تعالى لأنه هو المتجلي في تلك الألباس وتلك المعبودات كلها تسجد لله تعالى إلى أن قال وقوله لا إله إلا أنا يعني لا معبود غيري وإن عبد الأوثان من عبدها فما عبدوا غيري ولا توجهوا بالخضوع والتذلل لغيري بل أنا الإله المعبود فيهم"، فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أولها : أنه لفق هذه الفقرة من كلام طويل للشيخ أحمد التجاني في تفسير آية قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله بلغ خمس عشرة صفحة حيث بدأه من ج1 ص155 س7 وأنهاه في ج1 ص170 س2 من جواهر المعاني ط دار الجيل وهو في غاية الإحكام ووحدة الموضوع والانسجام غاص فيه لجج المعاني وأصله بالأدلة الشرعية من علم المباني فتصرف هو فيه بجعله شذرة شذرة حيث أخر منه وقدم وتجاوز وبتر ليحرفه عما وضع له وبيان ذلك أنه ساق منه ستة أسطر في مختم منشوره معلقا بها على مسألته السابعة التي هي الأخيرة عنده ثم تجاوز سطرين هما محل الاحتجاج عليه وهما: "فهم ـ يعني عبدة الأوثان ـ محبون لله عابدون له من حيث لا يشعرون وهذه العبادة هي المعبر عنها بالسجود كرها قال سبحانه وتعالى ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال، وهذه الجملة والآية هما اللتان تربطان بين ما ساقه من كلامه في مختم منشوره وبين ما ساقه في هذه الفقرة التي هي أول مسألة منه. ثم إنه ساق قول الشيخ أحمد التجاني "فكل عابد أو ساجد لغير الله في الظاهر فما عبد ولا سجد إلا لله تعالى لأنه هو المتجلي في تلك الألباس وتلك المعبودات كلها تسجد لله تعالى" ثم وضع نقاط استرسال وتجاوز مرة أخرى أربعة أسطر فيها الحجة عليه، ومزيد تفصيل ما ساق من كلام الشيخ في هذه الفقرة وما تجاوز منه هو قوله:"وتعبده وتسبحه خائفة من سطوة جلاله سبحانه وتعالى ولو أنها برزت لعبادة الخلق لها وبرزت لها بدون تجليه فيها لتحطمت في أسرع من طرفة عين لغيرته سبحانه لنسبة الألوهية لغيره تعالى، قال سبحانه وتعالى لكليمه موسى عليه الصلاة والسلام إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني والإله في اللغة المعبود بالحق.
قلت: "وبإرجاع هذه الفقرات إلى محالها يلتئم كلام الشيخ التجاني وينسجم على وفق ما جاء في جواهر المعاني ويتبين بجلاء أن ما قاله لا يستساغ إنكاره بوجه شرعي لاعتماده فيه على آيتين محكمتين صريحتين في الاستدلال هما قوله تعالى في سورة الإسراء يسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا وقوله تعالى في سورة الرعد ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال.
ثانيها: أن سجود وصلاة وتسبيح وإذعان جميع المخلوقات طوعا من المؤمنين وكرها من الكافرين جاء في إحدى عشرة آية محكمة احتج الشيخ التجاني بالآيتين المتقدمتين منها والتسع الأخر هي قوله تعالى في سورة النحل:أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون وقوله تعالى ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون وقوله تعالى في سورة آل عمران وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه ترجعون وقوله في سورة النور ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون وقوله تعالى في سورة الحديد سبح لله ما في السماوات والأرض، وقوله تعالى في سورة الحشر سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم، وقوله تعالى في سورة الصف سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم، وقوله تعالى في سورة الجمعة يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم، وقوله تعالى في سورة التغابن يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد.
قلت: ولا شك ولا ريب أن عموم هذه الآيات يدخل فيه جميع العوالم الكونية بما في ذلك الأصنام وعبدتها، قال الحافظ بن كثير في تفسير الآية التي في سورة الرعد ما لفظه: "يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه الذي قهر كل شيء ودان له كل شيء طوعا من المؤمنين وكرها من الكافرين، فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله والكافر مستسلم لله كرها فإنه تحت التسخير و القهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع. وقال القرطبي في تفسير الآية التي في سورة آل عمران: "قوله أسلم أي استسلم وانقاد وخضع وذل وكل مخلوق فهو منقاد مستسلم لأنه مجبول على ما لا يقدر أن يخرج عنه"، وقال في تفسير الآية التي في الإسراء :"فالصحيح أن الكل يسبح للأخبار الدالة على ذلك ولو كان ذلك التسبيح تسبيح دلالة فأي تخصيص لداود فإنما ذلك تسبيح المقال بخلق الحياة والإنطاق بالتسبيح كما ذكرنا وقد نصت السنة على ما دل عليه ظاهر القرآن من تسبيح كل شيء، فالقول به أولى. وقال النووي في شرح مسلم ج 3 ص164 في تفسير قوله تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده الآية، ما لفظه : "وذهب المحققون من المفسرين وغيرهم إلى أنه (يعني تسبيح الموجودات) على عمومه ثم اختلف هؤلاء هل يسبح حقيقة أم فيه دلالة على الصانع فيكون مسبحا منزها بصورة حاله والمحققون على أنه يسبح حقيقة، وقد أخبر الله تعالى وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها وجاء النص به وجب المصير إليه".
ثالثها: أن محصل كلام الشيخ التجاني في هذه المسألة يتلخص في محورين: أولهما أن عبدة الأصنام وإن عبدوها في الظاهر فهم يعبدون الله كرها من حيث لا يشعرون والحجة على هذا صريحة في الآيات المتقدمة الذكر وفيما فسرها به الإمام القرطبي والحافظ بن كثير. ثانيهما أن الله لولا أنه تجلى لهم في الأصنام بحكم القهر لما عبدوها. ويجاب عنه بأن التجلي لفظ أطلقه الله على نفسه في محكم كتابه في قوله تعالى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا الآية، ومعنى تجلى ظهر وبان، قاله ابن منظور في لسان العرب تحت مادة جلا عن الزجاج وغيره، قال: وهذا قول أهل السنة والجماعة. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ج 7 ص200 وتجلى معناه ظهر، قال: وتجلى الشيء انكشف، وقيل تجلى: أمره وقدرته، قاله قطرب وغيره.
قلت: ويجاب عنه أيضا بأنهم في عبادتهم للأوثان غير خارجين عن حكم إرادة الله تعالى لأن الله هو الذي زينها لهم عدلا منه بدليل آية وكذلك زينا لكل أمة عملهم وبدليل آية إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا وبدليل والله خلقكم وما تعملون، وهذا العموم الوارد في هذه الآيات لا يقبل التخصيص كما هو القاعدة عند علما ء الأصول في الإلهيات، وأما قوله على سبيل الحكاية عن الله : "بل أنا الإله المعبود فيهم" الذي علق به على آية إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني فيجاب عنه بأن قوله "بل أنا الإله المعبود فيهم" هو على تقدير محذوف، ومعناه عنده : أي المعبود في عبادتهم للأصنام من طريق القهر والإكراه بدليل ما تقدم من قوله في جواهر المعاني ج1 ص159، وهذه العبادة هي المعبر عنها بالسجود كرها وبدليل قوله فيه أيضا ج1 ص221 "واعلم أن حضرة الحق تعالى متحدة من حيث الذات والصفات والوجود كله متوجه إليه بالخضوع والتذلل والعبادة والخمود تحت سلطان القهر وامتثال الأمر والمحبة والتعظيم والإجلال، فمنهم المتوجه إلى صورة الحضرة الإلهية نصا جليا في محو الغير والغيرية ومنهم المتوجه إلى الحضرة العلية من وراء ستر كثيف وهم عبدة الأصنام ومن ضاهاهم، فإنهم في توجههم إلى عبادة الأوثان ما توجهوا لغير الحق سبحانه وتعالى ولا عبدوا غيره لكن الحق سبحانه وتعالى تجلى لهم من وراء تلك الستور بعظمته وجلاله وجذبهم بحسب ذلك بحكم القضاء والقدر الذي لا منازع له فيه وهذا هو التوجه إلى الله كرها".
يتواصل:


في عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.