للباحث المهندس: المختار ولد كاكيه

الثلثاء 7 حزيران (يونيو) 2011

 

 

3 توطن الشعر الحساني في بلاد البيضان

3-1 الروافد الأولى التي أثرت على الشعر الحساني بعد وصوله

شهد الشعر الحساني أولى التأثيرات عليه بعد وصوله مع بني حسان إلى بلاد البيضان على إثر تفاعله مع الروافد التالية:

- الرافد الحسوني

- رافد فن صناعة التافلويت

- رافد الأشعار الفلالية.

الرافد الحسوني

نسمي هذا الرافد بالرافد الحسوني نسبة إلى الشاعر حسون جد قبيلة الحساسنة البيضانية التي ينتمي إليها الشاعر الحساني الشهير سدوم ولد انجرتو. ونبدأ الكلام عن هذا الرافد وأثره بملاحظتين هامتين أوردهما محققو ديوان سدوم ولد انجرتو في الترجمة له:

الأولى .. هي أن الشاعر حسون، جد سدوم، كان قد قدم من نواحي توات في صدر القرن العاشر الهجري مع سيد أعمر الشيخ الكنتي (ت حوالي 960هـ). قلت: سيد أعمر الشيخ الكنتي كان لا يزال في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ كنته من سكان الساقية الحمراء ونواحيها، كما نعلم من الرسالة الغلاوية للشيخ سيد محمد بن الشيخ سيد المختار الكنتي.

الثانية .. هي أن الحساسنة قيل إنهم من ذرية حسان بن ثابت، وقيل إنهم من الشعانبة؛ قلت: والجمع بين القولين سهل، فلعلهم كانوا من الحساسنة نسبا وتوطن أسلافهم في الشعانبة، كما هو كثير الورود في حياة الأعلام. لذلك يمكننا على كل حال أن نطمئن من مجموع القولين إلى وجود علاقة وثيقة تربط سدوم بالشعانبة وثقافتهم. وأضيف: إن الشعابنة هم قبيلة عربية من بني سليم إخوة بني هلال توجد اليوم في ليبيا وتونس والجزائر.

قدوم حسون في القرن العاشر الهجري يرتبط -حسب ما نستنتجه وفق مقاربة الأرحام الشعرية- بوفود التأثيرات التالية إلى الشعر الحساني:

أولا.. وفود لون من الشعر البدوي أملس (خالي من الحروشة التي هي التقاء السواكن)، منضبط في ثمانية مقاطع ، كما يعرف اليوم بليبيا: وصل عن طريق الشعانبة إلى حسون، وعن طريق حسون إلى الشعر الحساني. ولعل شكلا آخر من نفس هذا اللون كان يوزن في 7 مقاطع(1).

ثانيا.. وفود نزعة إلى توظيف التقاء الساكنين في توليد محسنات إيقاعية في الشعر: لاحظنا من حكاية الليبيين لشعرهم الدارجي أنهم يستخدمون التقاء الساكنين ويبرزونه إيقاعيا في مواضع خاصة من الأشطار، وفق نفس مبدأ استخدام الجدعه في الشعر الحساني كمحسن إيقاعي وكطريقة لتوليد الأوزان العروضية المتمايزة الإيقاعات. ولم نلاحظ هذه الظاهرة بعد في ما عدا الشعر الليبي من الأشعار المغاربية الأخرى، لذلك لم نربطها بالشعر البدوي الهلالي، وإنما ربطناها بالرافد الحسوني المتأخر عن زمان وصول بني حسان إلى بلاد البيضان.

ثالثا.. وصول نمط العروبيات التي اشتهرت على يد ابن عروس التونسي، وأشطاره تحوي نحوا من 7 مقاطع.

رافد فن صناعة التافلويت

كانت لدى القبائل الصنهاجية المرابطية أشعار تخلط بين العربية والصنهاجية وتتبع لصناعة عروضية منضبطة أو فن صناعة التافلويت كما يمكن أن نسميها (راجع البحث الملحق بهذا القسم تحت عنوان شعر الصنهاجيين قبل مقدم بني حسان).

ويتمثل في نظرنا تأثر الشعر الحساني بالصناعة العروضية التي كانت قائمة عند الصنهاجيين فيما يلي:

أولا.. سعى متلقو الشعر الحساني من الصنهاجيين والراغبون منهم في الإبداع فيه إلى إخضاع هذا الفن لمعايير وقواعد منضبطة مثل ما كانت عليه أشعارهم الخاضعة لفن صناعة التافلويت الأصيل عندهم.

ثانيا.. يبدو أن المتلقين والمبدعين الجدد من الوسط الصنهاجي اهتموا بالدرجة الأولى بتطوير النمط من الشعر الحساني الخالي من الحروشة الذي أتى به الشاعر حسون، فكان هدوءه (خلوه من التقاء السواكن) أنسب لذائقتهم الجمعية، وكذلك انضباطه العروضي في 8 مقاطع لكل شطر. وسرعان ما اكتسب هذا اللون الأدبي الخالي من الحروشة انتشارا وقبولا، وسُمي بـ "لبتيت". وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحسانيين هم -في ما يظهر لنا- من سموه بـ "لبتيت"، لتمييزه عن أشعارهم المعقلية الأصيلة التي كانوا في أيام دخولهم إلى البلاد يسمونها "البت"ورسخوا لها لاحقا تسمية "البت لكبير" للمفرد و"لبتوته لكبار" للجمع. كما تجدر الإشارة كذلك إلى احتفاظ الحسانيين بالألوان المعقلية من شعرهم (وهي لبتوته لكبار كما لا زالت تعرف اليوم)، وظلت البحور المعقلية –كما بيننا في قسم العروض من هذا الكتاب- منذ وصول بني حسان وإلى اليوم كثيرة العفوية والمرونة في عدد المقاطع ومكان ورود الجدعه في أشطار النموذج الواحد منها؛ ويمكن أن يعبر عن ذلك بأن فن صناعة التافلويت لم يتمكن من إخضاع الألوان المعقلية لضوابطه العامة، فمن ناحية لم يرغب شعراء الحسانيين في الخضوع لمعايير الوزن المحددة من طرف صناعة العروض الصنهاجية، ومبدعو البيضان من أصل صنهاجي لم تستهوهم أصلا الألوان المعقلية الصاخبة (لكثرة التقاء السواكن فيها).

ثالثا.. بعد أن وفدت مع الشاعر حسون (الشعانبي ثقافةً) ملامح نزعة إلى توظيف التقاء السواكن إيقاعيا –كما ذكرنا-، نشأ سريعا بتأثير من رافد فن صناعة التافلويت اتجاه عام إلى تقنين هذا الالتقاء للسواكن؛ فكان ذلك هو أساس نشأة ظاهرة الجدعه في عروض الشعر الحساني، التي قادت إلى تقنين ألوان شعرية كانت قائمة، وتوليد أوزان كثيرة جديدة. وكان اللون الشعري المعروف بالعروبي، الذي اشتهر في تونس في القرن التاسع الهجري ووصلت نماذجه مع الشاعر حسون، من أول ما قنن ليخضع لضابط محدد في عدد مقاطع أشطاره ومكان ورود الجدعه فيها، فكان ذلك أساس وزن بوعمران المعروف اليوم(2).

رابعا.. تقنين الأشعار التى لها ستة مقاطع، والتي كانت منسوجة على منوال الأزجال الششترية، لتصبح بمثابة وزن فرعي من أوزان لبتيت، واصطلحوا من أجل ذلك على تسمية لبتيت ذي الثمانية مقاطع بـ "لبتيت التام"، ولبتيت ذي الستة مقاطع بـ "لبتيت الناقص".

***

رافد الأشعار الفلالية

بعد دخول بني حسان إلى بلاد البيضان في القرن العاشر الهجري، شهدت منطقة تافيلالت، التي كانوا على اتصال ثقافي بها وحيث إخوانهم من بني منصور من المعقل، تطورا ملحوظا للشعر الدارجي الفلالي هناك، خاصة النوع المسمى المبيت كما ذكرنا آنفا.

وكان المبيت الفلالي في بداياته مقتصرا على المضامين الدينية، وظل الشاعر الفلالي -كما نفهم من بحث الدكتور عباس الجراري المشار إليه آنفا- طيلة نشأة هذا اللون من الشعر الدارجي المغربي يخضع لرقابة اجتماعية صارمة لا تسمح له بالخروج بموضوع هذا الشعر عن المضامين الدينية.

ولقد وجدنا في إطار دراستنا لما يتداول بين البيضان من نماذج شعرية قديمة قرائن تدل على تأثرهم بالأشعار الدارجية المغربية ذات المضامين الدينية، وفي نظرنا أن بعض شعرائهم تأثروا فعلا بنموذج المبيت الفلالي، ذي المقاطع مابين التسعة والعشرة.

ومما يثبت وصول تلك الأشعار الفلالية إلى الفضاء البيضاني نموذج أطلعنا عليه سنة 2007 أستاذنا السالك ولد محمد المصطفى (باحث ومسئول بالمعهد الموريتاني للبحث العلمي)، وكتبنا منه ما يلي من نقلة قديمة بحوزة المعهد ختمت بعبارة "تمت بحمد الله. الطالب أحمد بن أحمد":

انت رب اقديم عـز وجـــــــلا = = والنسيان اعليك ما يطر واذهــــولْ

.....

يالغوث هاه يا عبــــــــاد اللـه = = اتعال من كُل جيهَ اكفول اكفـــــولْ

منكم عامل صور للجو اتعالُ = = زين الحِصن ما تسميه الوُعُـــــولْ

منكم عامل سيف الصًّقْـــــــْلَا = = ماض قطعُ زين بالسنَّ مسلــــــولْ

يارب صل على سيد الرُّســل = = محمد الِّي ما ارسلت اوراه رسولْ

والُ واصحابُ واولاد جُمــلَا = = هذا الِّي فِي طاقتِ جبت مكمـــولْ

وأذكر أنني رأيت في بعض البحوث المنشورة نماذج مشابهة للون الفلالي، كان يسميها صاحب البحث "أدب أتلولَ"، بمعنى أدب أهل الشمال.

وهكذا يمكننا أن نعتبر أن الأشعار الفلالية فعلا أرفدت الشعر الحساني في طور نشأته من حيث تأثر بعض شعراء الحسانية بالمضامين الدينية ووزن المبيت عند شعراء الفلاليين(3).

ـــــــــ هوامش:

(() الوزن الخالي من الحروشة الذي يحوي 7 مقاطع في أشطاره هو الذي سيسميه البيضان لاحقا بـ وزن "التيدوم". وأقدم ما اطلعت عليه في وزن التيدوم قيل في فضاء أولاد امبارك في القرن 11 هـ تقريبا، وبعد ذلك اشتهر من خلال إنتاجات سدوم ولد انجرتو (حفيد حسون) أيامه مع أولاد امبارك في عجز القرن الثاني الهجري. وهناك الرواية المتعلقة بسدوم ولد انجرتو التي تقول إن أول ما انفتق به لسانه من الشعر كانت مديحيته الشهيرة في وزن التيدوم التي بدايتها:

صلى الله أعلَ النذيرْ = = نبيْ اللــهْ انْــبـيَّ

لذلك ننأنس إلى تقرير كون بت 7 الأملس الذي جلبه حسون معه شهد مع الزمن تطورا في الفضاء المحصري لأولاد امبارك على يد جيل معين من الجدود ما بين سدوم وحسون، ليتم تداول هذا الوزن مع تسميته بالتيدوم في أولاد امبارك في القرن 11هـ وليشهد بعد ذلك دفعا قويا من خلال توظيفه في غرض الحماس في أيام سدوم ولد انجرتو مع أولاد امبارك في نهاية القرن 12هـ.

(2) مسمى بوعمران يمكن أن يكون قد وفد مع حسون ليعني شكلا معينا ذي خصائص مضامينية معينة تحت مظلة العروبي، فيكون التجديد في بلاد البيضان تمثل –بعد ذلك- في تقنين عدد المقاطع ومكان ورود الجدعه فيه ليصبح بوعمران لونا بيضانيا من العروبي. كما قد تكون لنشوء مسمى بوعمران مثلا علاقة ما بالموقع المسمى عمران في (الزمور) في الشمال الموريتاني.

(3) في إطار استمرار تأثير الرافد الفلالي في أوساط علمية محدودة يأتي في نظرنا الشاهد التالي الذي عزاه الأستاذ محمدو بن احظانا إلى سيدي محمد الأمين بن سيدي المختار بن سيد أعمر الرقادي (أواسط القرن الحادي عشر)، وقد نحا فيه قائله منحى أدب المدرسة الفلالية، في وقت لم يعرف فيه بعدُ –حسب استقرائنا- استخدام الشعر الحساني في مثل هذه المضامين الدينية العميقة: اكتاب الله كيم واكرامَـه = = ؤ كنز لا تخش اعليه انفـادْ

دير الهم فيه لا تتعـــامَ واعمل من خـاص واورادْ

كل انهار اتجد للفهــامَه = = من معناه افنون بالتـردادْ

مواضيع مشابهة:

اضف تعليق


Security code
اعادة تنشيط

آراء حرة

درس في النحو السياسي..!!

altفي عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.

مواضيع مشابهة:

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية / حبيب الله ولد أحمد

altحتى لا تغرق السفينة..!!

(من المخجل أن نتفرج على وطننا الحبيب صريعا تحت أقدام نظام لا يريد أكثر من البقاء في السلطة بأي ثمن ومعارضة لا تريد سوى الوصول إليها بأي ثمن... ويتطلب منا الانحياز لموريتانيا الموحدة والمستقلة و المستقرة وضع النقاط على الحروف ومخاطبة الجميع بصدق وأمانة بحثا عن مخرج لأزمتنا الحالية ومحاولة للخروج من نفقها المظلم)

"ثوار" موريتانيا.. كانوا أحرص الناس على حياة/ سيدى محمد ابه

altاستسمحكم فأنا مضطر للمغادرة لعيادة جرحى المنسقية" كلمات "خالدة" لأحد قادة المعارضة "الثائرين" لحظات بعد تدخل قوى الأمن ليلة فض الاعتصام الأول قرب مسجد ابن عباس.. في صباح اليوم الموالي اكتشف المعتصمون أن رئيسهم "الثوري" كان يريد مغادرة المكان فقط، فقد وصل وحيدا إلى المستشفى وقبل وصول الجرحى المزعومين.. هي إذن أفضل الطرق للهروب من المواجهة..

مواضيع مشابهة:

اسمعوا أنينا من قبل أن..!؟

altنحن الذين جعلنا من "سنيم" شيئا مذكورا..

من عرقنا ارتوت..

وبجوعنا كبرت ..

مواضيع مشابهة:

مقترحات للمعارضة المقاطعة للحوار / محمد الأمين ولد الفاضل

altطالعت في بعض المواقع  بأن رؤساء أحزاب منسقية المعارضة اجتمعوا وطلبوا من الأحزاب المنخرطة في المنسقية بأن تُعِدَّ وتقدم مقترحاتها وتصوراتها للنشاطات المستقبلية للمنسقية، كل حزب على حدة، وبما أن هناك جمهورا طويلا عريضا يشارك المنسقية في أنشطتها، وليس له أي انتماء حزبي، وليست له هيئات تمثله لتقدم التصورات باسمه، لذلك فقد يكون من المناسب أن يتقدم من شاء من ذلك الجمهور بمقترحاته الشخصية، ومن هنا جاءت مقترحاتي الشخصية هذه:

مواضيع مشابهة:

آخر التعليقات

  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    نثمن عاليامجهودات القائمين على موقع التيسير الثقافي المبارك ونلتمس منهم الإسراع في نشر الحلقات المتبقية من هذا الكتاب الجيد الذي كانت الساحة العلمية والثقافية في أمس الحاجة اليه وشكرا جزيلا
    بواسطة محمد
  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    جزاكم الله خيرا علي نشركم لهذالبحث الذي هو حقا فضل من الله تعالي علي هذه الامة المباركة وأطلب من المؤلف أن يهدي منه نسخة (...) لعلي الله أن يهديه بها ان هو طالعها وجزي الله المؤلف كل خير علي هذالعمل الذي ادخره الله له ليكون نبراسا للطيبين ودامغا للمرجفين وحجة في التوسل بجاه سيد الاولين والاخرين
    بواسطة الحاجي
  • السلفيون في تونس / محمد كريشان...
    لا أدري سبب عدم نشر مقالات الكاتب مصطفى قطبي فقد كنا ننتظرها بفارغ الصبر.ونأمل من إدارة التيسير أن تنشر جديد الكاتب لأهمية الحمولة الفكرية والثقافية التي تتميز بها كتاباته ودراساته.
    بواسطة الشيخ مختار الحاتمي