10 تشرين2/نوفمبر 2011
يستمد أي مجتمع أهميته من العناية بأفراده... وإذا كانت هناك نظرة قديمة تقول أن الفرد المعاق لا أمل فيه، فإن الصورة اختلفت تماماً في الوقت الحالي مع العناية بالأفراد ذوي الاحتياجات الخاصة.
ولقد مرت المجتمعات البشرية في معاملة المعاقين بمراحل عدّة تطوّرت من الإهمال والتجنب والحجز والإبادة أحياناً إلى إهمال ورفع الحواجز الحضارية والنفسية وأنّ بعض المجتمعات قد بدأت باكراً رفع الحواجز عن المعاقين لتجد إنساناً حقيقياً له مزاياه وإمكاناته وطباعه وأحلامه وآماله ورغباته وكرامته وعزة نفسه. فالإعاقة الأخلاقية ظاهرة إنسانية تعدّ من المشكلات النفسية والاجتماعية والتعليمية التي تواجه العالم
اليوم. والفرد المعاق أخلاقياً يحتاج إلى تربية خاصة، وأهم احتياجات الفرد المعاق أخلاقياً هي الإشباع العاطفي والإحساس بالأمن ووجود بديل عن الشيء الذي فقده، كما يحتاج أيضاً إلى التوافق النفسي والاجتماعي مع البيئة الجديدة. كما أنّ الفرد المعاق أخلاقياً يعدّ من الأفراد الذين لا تقل خطورة إعاقتهم عن خطورة إعاقتهم عن خطورة المعاقين عقلياً، أو سمعياً، أو بصرياً أو حركياً أو عصبياً، كما أنّه يحتاج إلى خدمات تربوية كي يتحرر من إعاقته، ويستفيد المجتمع من قدراته وإمكاناته. إنّ الفرد المعاق أخلاقياً، هو ذلك الشخص الذي يعاني من قصور في بعض قدراته أو إمكاناته الأخلاقية، سواء كان ذلك وراثياً أم مكتسباً ممّا يضعف من إنجازه لحاجاته وكذا الخروج عن القواعد الدينية والانحراف عن المعايير والضوابط الاجتماعية والإخلال بالقيم الأخلاقية بصورة مستمرة وغير مناسبة لعمره، وبالتالي يحتاج إلى رعاية الغير له رعاية خاصة للحد من هذا القصور. وعلى ذلك فإنّ الفرد المعاق أخلاقياً والذي يقوم بمجموعة من الأعمال أو الأفعال أو الممارسات أو الأنشطة تجاه نفسه وتجاه الآخرين من أفراد المجتمع والتي تتعارض مع مبادئ المجتمع وقيمه وأعرافه وعاداته وتقاليده ـ هذا الشخص الذي يعاني إعاقة أخلاقية هو شخص يتسم بسمات وخصائص تختلف عن الأسوياء والعاديين وهذه الخصائص والسمات هي:
التباهي والتعالي على الآخرين، والميل بالتظاهر بالثروة، أو الرغبة في الشهرة، والتمسك بالأفكار دون مبرر للإصرار عليها، هذا بالإضافة إلى الشك والريبة، والكذب وعدم الصدق في القول أو الفعل، وتبرير السلوكيات، وضعف الضمير، والإخلال بالقيم الأخلاقية مع عدم الإحساس بالذنب عند ظلم الآخرين، ممارسة سلوكيات تتسم بالتمرد والعدوان أو التحدّي والغضب سواء كان ظاهراً أم دفيناً في نفسه، وكذا يتسم بإحداث الخلافات مع الآخرين وتوجيه النقد اللاذع لهم ومجادلتهم، والخروج عن حدود الأدب في الحديث معهم. يتصف هذا الشخص الذي يعاني إعاقة أخلاقية أيضاً بالجفوة وجمود المشاعر وإساءة معاملة الآخرين وعدم إدراك حقوقهم وإنهاكها، وعدم احترام مشاعرهم أو معاناتهم، بل وإثارة غضبهم وسخطهم، كما انّه يفتقد للتواضع والإحترام والحب والعدالة والشجاعة ورجاحة العقل والأمانة والإعتدال والاعتراف بجميل الآخرين عليه، الغرور والانغماس في الخيال وأحلام اليقظة، وعدم الرغبة في تكوين علاقات متبادلة مع الآخرين الذين يتمتعون بسمعة طيبة ومبادئ وقيم وسلوكيات مرغوب فيها، وذلك بسبب خوفه من كشف أسراره للآخرين ومعرفتهم لشخصيته الحقيقية، وإمّا لعدم قدرته على مواجهة الواقع وشعوره بالنقص، وإحساسه بأنّ لا قيمة له. كما يتّصف بتبلد الإحساس، وعدم إحسان التصرف في كثير من الأمور، والسلبية، والأنانية وحب الذات حتى ولو كان على حساب مشاعر الآخرين أصحاب الجميل عليه.
يتّصف هذا الشخص الذي يعاني إعاقة أخلاقية أيضاً بالخروج على المعايير الأخلاقية الراسخة بصورة توحي بعدم فهمها بوضوح. كما يتّصف أيضاً بحبه للاستيلاء على ممتلكات الآخرين إرضاء لرغباته على حساب مشاعرهم، وذلك اعتقاداً منه بأنّ ما يفعله من إجرام وآثام يرجع سببه إلى ما يعانيه هذا المعاق أخلاقياً ممن حوله، ومن ثم لا يتعاطف معهم بسبب اعتقاده بأنّ بيده امتلاك
السلطة ويجب عليه التعالي عليهم، تغيير الرأي وعدم الاتساق في السلوك، والتظاهر بسلوكيات ومظاهر مغايرة تختلف عن السلوك الحقيقي ( الدفين )، وإنكار أشياء معينة والتهوين من شأنها مثل العرفان بجميل الآخرين عليه، في الوقت الذي يبالغ في أشياء أخرى لا تستحق ذلك.
ممّا سبق يمكننا أن نستخلص أنّ المعاقين أخلاقياً هم صنف من أفراد المجتمع لا يمتلكون المعايير الأخلاقية والإنسانية، ويعانون من أزمة حادة تتضارب فيها القيم والمعايير، وتختلط فيها القيم المعتقدات والأفكار والمفاهيم، وتغيب فيها المبادئ والمثل العليا والقدوة الحسنة، كما أنّهم أيضاً صنف من الناس تسبب مولدهم أو عاشوا أحداثاً أجبرتهم على الحيود بتصرفاتهم عن نسق ونظام مجتمعهم القيمي، وأحدثوا بسلوكياتهم المضطربة والمختلة والخربة والعطبة شروخاً في جدار هذا المجتمع. أما الاتجاهات المفسرة للإعاقة الأخلاقية، فنجد في هذا الصدد اختلافاً بين النظريين والباحثين حول مسببات الإعاقة الأخلاقية، ففي الوقت الذي يرى فريق منهم أنّها ترجع في نشأتها إلى عوامل بيولوجية وفسيولوجية وعصبية مثل وجود خلل أ تشوهات مخية وعصبية تؤدي إلى اختلال العلاقة بين وظائف الضبط والإرادة والقيم الخلقية في المخ وبين مراكز الغرائز والنزوات ذات الطابع العدواني، يرى أنصار التوجه البيئي أنّ هذه السلوكيات اللاأخلاقية مكتسبة من خلال معايشة الفرد المعاق أخلاقياً لظروف بيئية تدفعه لتعلم هذه السلوكيات. أي أنّ مسببات الإعاقة الأخلاقية تتعدّد في أنواعها حيث تشارك العوامل البيولوجية والفيسيولوجية والعصبية والعوامل البيئية في إحداث الإعاقة، وعلى ذلك يمكن أن نعرض مسببات الإعاقة الأخلاقية على النحو التالي:
مسببات أسرية: إنّ المهتم بمجال الإعاقات الأخلاقية يجد أنّ الأسباب الأسرية تحتل المرتبة الأولى بين الأسباب المؤدية إلى الإعاقات الأخلاقية، ومن هذه الأسباب ما يلي: سوء العلاقة بين الوالدين، وكثرة الشجار بينهما والخلافات الاسرية وما قد يترتب على ذلك من تصدع أسري، ممّا يؤدي إلى عدم كفاية الإشراف الوالدي، الأمر الذي بدوره يؤدي إلى فقدان الأمن وإصدار سلوكيات يصفها المجتمع ويعتبرها أنّها لا أخلاقية، ويصف من يصدر هذه السلوكيات بأنّه معاق أخلاقياً، انخفاض المستوى الاجتماعي ـ الاقتصادي للأسرة، وزيادة عدد أفرادها، في مثل هذه الظروف يشعر الأفراد بالدونية تجاه أنفسهم، ومن ثم عدم تقدير العواقب المترتبة على سلوكياتهم غير الأخلاقية، اختلاف الوالدين في تعاملهما مع الأبناء كأن يستهجن أحد الوالدين بعض السلوكيات النابية للأبناء، بينما لا يعيرها اهتماماً، في مثل هذه الحالات يصعب على الفرد ( الابن تعلم الصواب أو التمييز بين ما هو مرغوب وما هو غير ذلك، ومن ثم يصبح أكثر عرضة للإعاقة الأخلاقية ). أيضاً يوجد الكثير من الأسباب البيولوجية والفيسيولوجية والعصبية التي قد تسهم بصورة منفردة أو بالمشاركة مع أسباب أخرى في إحداث الإعاقات الأخلاقية، ومن هذه الأسباب ما يلي: أسباب متصلة بوجود خلل في وظائف النصفين الكرويين بالمخ، أسباب متصلة ببنية الوراثية، الاضطرابات النفسية التي تظهر في صورة سلوكيات غير أخلاقية. كذلك، توجد بعض الأسباب غير الأسرية وكذا غير الشخصية، وأيضاً غير البيولوجية والفسيولوجية والعصبية قد تسهم في إحداث الإعاقات الأخلاقية، ومن هذه الأسباب: انتشار الأمراض الاجتماعية، وانعدام القدوة، وغياب الريادة الدينية، عدم ثبات المعايير أو الأطراف المستخدمة في الحكم على مفهوم الإعاقة الأخلاقية، الهيمنة الخارجية على وسائل الإعلام واستخدامها في تقديم مسلسلات وأفلام يتم من خلالها استدخال المفاهيم والقيم المشوهة، لهدم وتشويش وضياع الأفراد وخاصة الشباب وممّا سبق نجد أنّه لابد من رعاية وتربية هؤلاء الأفراد المعاقين أخلاقياً حتى يتخلّصوا من إعاقتهم الأخلاقية، وذلك من خلال التركيز هنا على اختيار المعلم ( الأستاذ ) ذو الصفات الأخلاقية الحميدة، ثم يأتي بعد ذلك الموقف التعليمي المناسب. وفي هذا الصدد نجد أنّه قد ورد في وصية عمرو بن عتبة لمؤدب ولده قوله '' ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإنّ عيونهم معقودة بك، فالحسن عندهم ما صنعت والقبيح عندهم ما تركت، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء. إنّ المدقق في الوصية السابقة يجدها تشتمل على ما ينبغي أن يكون عليه المربي والمعلم( الأستاذ ) باعتباره النموذج والقدوة في أعين المتعلمين. فالأستاذ والعالم من المفترض أن يكون قيمة في التخصص وقيمة في العلم، ومن
المفترض أيضاً أنّ هذا الأستاذ له مدرسة علمية ومنظومة من القيم الأخلاقية الإيجابية يعمل في إطارها، ويحاول أن يعلّم تلاميذه الإلتزام بها باعتبار أنّه نموذج وقدوة لهؤلاء التلاميذ، وقد كان هذا
أمراً ملحوظاً بين الكثير من رواد العلم، ولكن مع مضي القافلة وتغير الدنيا وتغير النفوس يأتي اليوم نلاحظ ونرى ويرى غيرنا أنّ الأمور تحوّلت إلى غابة، بل وغابة بلا منطق، ظهرت أخلاق وقيم لا تختلف كثيراُ عن أخلاق المماليك : المملوك الأصغر يتحين الفرصة للانقضاض على المملوك الأكبر، وتدور الدوائر دائرة بعد دائرة لا قيم ولا أصول و لا قدوة ولا نموذج، وهو الأمر الذي انعكس بالتلقائية على المناخ ككل، حتى التلاميذ الصغار الذين يشاهدون ويلاحظون غيره كيف سترى عندهم منظومة القيم اللا أخلاقية والناس على دين أكابرهم؟ إذا كان الكبير فجاً وكان الصغير أكثر فجاجة، وهكذا، تمضي القافلة في اتجاه التدهور والقلة القليلة المتمسكة بقيمها الأخلاقية تنأى بنفسها بعيداً، وهو نأى (مفارقة) أخف من كل الذنوب لأنّ هذا النأى (المفارقة) ستسبب في أن تخلو الساحة للأصاغر لكي يعرضوا أنساقهم القيمة الأخلاقية، بل وربما نجد أنّ بعض الأكابر أصبحوا توابع للأصاغر ربما سعياً لمصلحة شخصية أو درءاً لضرر أو إتقاء لشرورهم الصغيرة، ويا ويلنا من تحكّم الأصاغر، ويا ويلنا إذا ضاعت القيم الأخلاقية الإيجابية بيننا ومضت سفينة العلماء تتقاذفها القيم الأخلاقية للأصاغر ممن أضاعوا القيم الأخلاقية الإيجابية.. أليس ما يحدث الآن دليل على الإعاقة الأخلاقية.

في عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.
التعليقات