26 تشرين2/نوفمبر 2011
3-3
أقدم شاهد موثق للشعر الحساني في بلاد البيضان
توثيق تاريخ الشاهد ومكانه:
الزمان: القرن العاشر الهجري.
المكان: مخيمات أولاد رزق الحسانيين.
إلى ذلك الزمان وذلك المكان، يعود النص الشعري التالي، الذي يورده الدكتور محمد المختار ولد
:
"إباه، في مقدمة كتابه الشعر والشعراء في موريتانيا، ويصفه بأنه قاف" في مدح أحد أمراء "أولاد رزق" يعود تاريخه إلى القرن العاشر الهجري
****
مَارِتْ عَنْ حسْــــــــــــــــبكَ عادْ إِنْهَولْ ؤُ مارْتْ عنْ مَّا كِِيـــــفَكْ رِزكَانِي
فـيك اممُّ ؤُ فِـــــيـــكْ إمْــــهَـــــلـْهَــــــــلْ ؤُ فِــيكْ امْــهَـمَّـــاد ؤُ كَــــــــــانِي
هذا النص إذا هو أوثق ما نجده من شواهد الشعر الحساني -في ما بين أيدينا من مراجع- مدونا ومحددا تاريخه.
انتماء هذا النص الشعري إلى العهد الذي ذكره الدكتور ولد اباه يؤيده ما أورده المختار ولد حامد في موسوعته، الجزء السياسي، عند الكلام عن أمراء أولاد بواعلي، ضمن رئاسات أولاد رزق:
" .. ومن أمرائهم: كدول بن موسى المشهور بالعنف والعظمة. عاش في القرن العاشر الهجري، واغتاله عمه منصور، ويوهماد، وامهلهل، وكاني، بنو منصور".
فكلام ولد حامد يثبت أن المذكورين في القاف (مثل: امهلهل، كاني) كانوا معاصرين لابن عمهم كدول الذي عاش في القرن العاشر الهجري. وفي نظرنا أن الشاهد يعود إلى أواخر القرن العاشر الهجري تحديدا: لأن الممدوح لا بد أنه كان من جيل بعد جيل المذكورين في هذا النص، إذ لو كان الممدوح معاصرا لهم ، لما لاق لقائل هذا الشعر أن يقارنه بهم.
***
الشاهد يشير إلى بداية توطن إبداعات المدرسة التيرسية في الشعر الحساني:
ليلاحظ القارئ معي كون هذا القاف–من منظور عروض اليوم- لم يخل من اضطراب في وزنه: 9 مقاطع 9 مقاطع
8 مقاطع 7 مقاطع
وتفسير ذلك في نظرنا أن أولاد رزق كانوا قد انتقلوا إلى منطقة القبلة في القرن التاسع الهجري، لذلك فإن شاعرهم، الذي قال قافه هذا في أواخر القرن العاشر الهجري -كما رجحنا- لم يكن بعد –فيما يبدو- قد تأثر تأثرا كافيا بإبداعات المدرسة التيرسية التي كانت قد نشأت في تيرس ونواحيها بدء من القرن العاشر الهجري.
إن هذا الشاهد يحتفظ من ناحية أولى بملامح البت (لكبير)، الأصلية في شعر بني حسان، بدليل وجود أشطار فيه بتسعة مقاطع. وهو من ناحية ثانية يشي بتأثر قائله بالمدرسة التيرسية من حيث اقترابه في إنتاجه هذا من لبتييت التام بدليل خلو هذا الشاهد من التقاء السواكن. لكن في النهاية يبدو أن احتكاك قائل هذا الشاهد بالمدرسة التيرسية لم يكن فعلا قد بلغ مستوى كافيا، فلا هو أعمل الصناعة العروضية ليترتب أشطار هذا الشاهد عن وعي، ولا هو أيضا ترسخ وزن لبتيت في حسه لينضبط وزنه تلقائيا.
***
الشاهد يرمز إلى لقاء القاف والتافلويت
نستعرض مرة أخرى الشاهد الذي أوردناه:
مَارِتْ عَنْ حسْــــــــــــــــبكَ عادْ إِنْهَولْ ؤُ مارْتْ عنْ مَّا كِِيـــــفَكْ رِزكَانِي
فـيك اممُّ ؤُ فِـــــيـــكْ إمْــــهَـــــلـْهَــــــــلْ ؤُ فِــيكْ امْــهَـمَّـــاد ؤُ كَــــــــــانِي
هذا القاف يحمل أبعادا رمزية أخرى بالغة الأهمية في نظرنا، نريد أن نلفت إليها الإنتباه هنا:
أ) رمزية هذا الشاهد من حيث توقيته:
نذكر بأن هذا القاف يرجع إلى القرن العاشر الهجري، كما قال الأستاذ ولد باباه، وأيدته قرائن من تاريخ ولد حامد.
وقد كانت لمطلع هذا القرن العاشر الهجري، الذي قيل فيه هذا القاف، خصوصية كبيرة في تاريخ البيضان23؛ فمطلع هذا القرن يعتبر بمثابة تاريخ ميلاد جيل جديد من البيضان، ناتج عن اتحاد بين مجموعتين: بين القبائل المرابطية (الصنهاجية في غالبها) منْ هم جيل البيضان الأقدم، وبين القبائل الحسانية الوافدة، وكأن سياق التاريخ البيضاني مع بداية القرن العاشر الهجري شهد عملية تركيب له من سياقين تاريخيين منفصلين: سياق تاريخ القبائل المرابطية في بلاد البيضان قبل وصول بني حسان، وسياق تاريخ القبائل الحسانية قبل وصولها إلى أرض البيضان.
نطلب من القارئ أن يتخيل معنا بني حسان وهم على مشارف بلاد البيضان يحملون الشعر الحساني ولنلقبه بشعر القاف، فالقاف –كما سبق ذكره- مصطلح أصيل في الشعر الحساني استصحبه من أصله البدوي الهلالي.
وليتخيل في ناحية أخرى الصنهاجيين يجهزون شعرهم الخاص ذي الأعاريض المنضبطة ولنلقبه بشعر التافلويت، فالتافلويت مصطلح أصيل في شعر الصنهاجيين كما بيننا في البحث الملحق (بحث أشعار الصنهاجيين قبل مقدم بني حسان).
ثم ليتخيل القارئ الآن مطلع القرن العاشر الهجري وقد حل ومشهد شعر القاف وشعر التافلويت وهما يحاولان الاندماج.
ثم ليتصور في نهاية الأمر القرن العاشر الهجري وقد أشرف على الانتهاء، ولير بوضوح منظر الشاعر صاحب هذا الشاهد وهو يعرض على المجتمع أول محاولة شعرية له وفق النموذج الأدبي الذي يرتضيه البيضان.
ب) رمزية هذا الشاهد من منظور شكله العروضي:
إن هذا الشاهد هو عبارة عن قاف مكون من أربع تيفلواتن، ولا يخفى ما يرمز إليه من نجاح الاندماج بين شعر بني حسان (شعر القاف) وشعر الصنهاجيين (شعر التافلويت)، ليكونوا في نهاية القرن العاشر الهجري نموذجا شعريا بيضانيا موحدا.
4 نمو الشعر الحساني في بلاد البيضان
تتبعنا في ما مضى من هذا القسم أسباب نشأة الأشعار الدارجية عند العرب ومسيرة شعر بني حسان منهم في طريقه إلى بلاد البيضان، ودرسنا ظروف توطن هذا الشعر الحساني في هذه البلاد والشكل الذي بدأ به24.
في هذا المبحث الجديد يهمنا أن نكسب تصورا عن مسار نمو الشعر الحساني في بلاد البيضان بعد ما توطنها في القرن التاسع والقرن العاشر الهجريين. ومن أجل ذلك نستعرض مع القارئ رأيا للأستاذ محمدو ولد احظانا حفظه الله.
الأستاذ ولد احظانا هو من أول الدارسين للشعر الحساني الذي لفتت انتباهنا بحوثه المعمقة في مجال الشعر الحساني، ونحسبه كذلك –حسب حدود اطلاعنا- من أهم الذين دونوا أطروحات ناضجة في مجال التأريخ لنشأة وتطور الشعر الحساني25.
يخبرنا الأستاذ ولد احظانا وفق آخر ما اطلعنا عليه من بحوثه أن الشعر الحساني أو شعر الحسانية كما يسميه تطور عبر أربع محطات:
المحطة الهلالية السليمية، محطة التوطن والتحوير26، محطة أدب المغنين (إيكاون)، محطة الأدب الشعبي.
وإليكم ملخصَ رأي الأستاذ ولد احظانا حول المحطات الأربع.
في بحث له قيم، بعنوان: "شعر الحسانية - إبحار وجود بين ضفاف الحنين"، مضمن في كتابه معقول اللامعقول في الوعي الجمعي العربي – صورة المغيب في المخيلة الشعبية الموريتانية (نموذجا)27، يفصل الأستاذ ولد احظانا هذه المحطات الأربع بقوله:
المحطة الأولى: المحطة الهلالية السليمية28، وهي مرحلة كان فيها لهذا الشعر علاقة وطيدة بشكل البحور الخليلية المجزوءة29. مرحلة ما قبل القرن 15م (قلت: 9هـ) 30.
المحطة الثانية: محطة التوطن والتحوير في موريتانيا31، وهي مرحلة تجسدت في القرنين: 15 و16م32 (قلت: 9هـ و10هـ) على الأرجح، وترسخت وأمكنها البقاء خلال القرن 17 ومطلع القرن 1833 (قلت: 11هـ ومطلع 12هـ). ولم يحفظ لنا بصورة جيدة إلا بعض أدب القرنين الأخيرين.
المحطة الثالثة: أدب المغنين (إيكاون)، محطة الشيوع بين طبقة تمتهن الغناء والأداء الموسيقي على نحو واسع34. وأعتقد (والكلام للأستاذ ولد احظانا) أن هذه المرحلة هي التي أخذ فيها شعر الحسانية تسميته، من ملازمته للغناء35.
ولا يعني هذا أنه لم توجد تجارب لأشخاص لا يمتهنون الفن الغنائي، كانوا يقولون شعر الحسانية. على كل حال فالمرحلة المقدرة تاريخيا في بداياتها بأواسط القرن الحادي عشر الهجري استمرت إلى يومنا هذا، لكن انضافت إليها في ملاحلة لاحقة، لتواكبها، محطة أخرى كان لها ثراؤها.
المحطة الرابعة: محطة الأدب الشعبي، وهي المحطة التي أصبح فيها شعر الحسانية شعرا في متناول الجميع، تذوقا، وفي متناول كل الموهوبين في المجتمع إبداعا. هذه المرحلة تميز في بداياتها ارشيد المولاتي (القرن 12 الهجري). ومحمد الكفية ولد بوسيف ولد سيد أحمد ولد بوسيف ولد هنون لعبيدي، توفي في الكفية سنة 1277هـ/ 1866م. ومنهم محمد ولد هدار ت 1868هـ36؛ أما المدرسة الحديثة فلا يكادون يقعون تحت حصر. انتهى المنقول من كلام الأستاذ ولد احظانا37.
وكان الأستاذ ولد احظانا يزودنا في كل محطة من تلك المحطات، على امتداد 24 صفحة، بشواهد شعرية عدة، يصفها بأنها نماذج ممثلة لأشعار كل محطة. وفي نهاية الكلام عن المحطة الأخيرة، التي أسماها "محطة الأدب الشعبي"، يتحفنا الأستاذ بصفحة كاملة من أسماء الأدباء الحسانيين، مع ضبط كثير من تواريخ وفياتهم ، وذلك "دون ترتيب في الزمان والمكان والأفضلية"، كما أحَبَّ أن يشير إليه.
***
إذًا، بخصوص المسارات التي سلكها الشعر الحساني لينمو في بلاد البيضان ويتطور أكثر فأكثر حتى وصل إلى مرتبة الأدب (الأدب الشعبي كما يسميه الأستاذ ولد احظانا)، نكتفي بإحالة القارئ على الإستفادة من خلاصة تجربة الأستاذ؛ فهو فيما بدا لنا قد طور نموذجه التحقيبي لتاريخ هذا الشعر عبر سنوات طويلة، نحس ذلك من وجود طرحه إبتداء في ثلاث مراحل، حسب ما نشره أحد الباحثين في كتاب طبع سنة 199638، ثم ها نحن نرى طرحه -كما نقلناه هنا- يصير في سنة 2001 إلى أربع محطات.

في عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.