altعندما تزور بلداً ما وترغب في التعرف على حضارته، لا محالة ستزور مَعْلَماً في هذه الدولة يتعارف عليه باسم "المتحف الوطني".
في هذا الصرح يوجد كلما ينطق بلسان حال تاريخ هذا البلد من تضحيات، وإسهامات، وإنجازات، قام بها أبناؤه البررة الذين سخّروا جهودهم في سبيل النهوض.

ستجدُ أهل البلد -الذي أنت فيه- يفاخرون بمن جسدوا هذه الإنجازات الشاهدة الخالدة، يُكنّون لهم التقدير والإجلال، لكن المفارقة أن هذا لا ينطبق على بلد الاستثناءات (موريتانيا)؛ فعندما تزور متحفنا -أخي الكريم- ستجدُك محاطاً بكل ما ذكرنا؛ في حين أن "صانعي" هذه الحضارة لا يلقون الاحترام والتقدير المرجوّ من أبناء جلدتهم اعترافا بالجميل، بل ينسون لهم خسيس الأفعال، ويصفونهم بقيح الصفات؛ من كذب، وجبن، وخوار، في حين أن كل هذه خصائص بشرية توجد في أي كان بغض النظر عن من يكون.
مَردُّ هذا الوضع يرجع إلى حقبة اللاّدولة؛ إذ كان من الثقافة البدوية السائدة أن لا مكان لمن ليس لهم زمام السلطة (التشريعية والتنفيذية)، بحيث كانت الفئات التي تمتهن مهناً حرفية من أجل العيش الكريم تُستضعف من قبل الفئات المهيمنة على النفوذ؛ سطّر ذلك ابن الأمين الشنقيطي في كتابه "الوسيط" وذكر أنه جاب أقطاراً عديدة شاهد فيها الإجلال والإكبار الذي يحظى به ممتهنو هذه المهنة، في حين أنهم لا يتمتعون بذلك في موريتانيا، ويبدو أن هذه العقلية البدوية لا تزال تلقى صداها في هذا البلد في القرن الواحد والعشرين، في وقت ذابت فيه حتى الفروق الجغرافية بين دول العالم ككل، وساد مصطلح القرية الواحدة.
عندما تنظر بعين فاحصة ستجد أنه عندما نذكر أن العالم في زاويته حفظ للأمة هويتها الدينية والأخلاقية، ونستعرض ما قام به أبطال المقاومة من استماتة في دحر المحتل الأجنبي، وننظر إلى وسائل الحياة البدوية الأصيلة التي مكّنت "الخيمة" البدوية من الاستمرارية في الترحال في سعيها الحثيث وراء الكلأ؛ لا بد في كل تلك الحالات من المرور بإنجاز "الصانع" التقليدي، حيث أنه أهدى للعالم في زاويته اللوح والدواة والقلم، ووفّر الدعم للمقاوم من سيف ومدفع وسرج، فضلا عما أمدّ به "الخيمة" الموريتانية بما تحتاجه من أوانٍ تساهم في استمرارية الحياة من قدح، وإناء، و"تاديت"، وإبريق...
كل ذلك يجعل من "الصانع" الموريتاني إنساناً مواطناً له بصمته الخاصة؛ حيث خدم بلده على شتّى الصُّعُدْ، غير آبه بما يوصم به من صفات، وما يلصق به من أوصاف.
تلكم - لعمري - الأمجاد المنسية لـ"الصانع" التي لم يقم لها ذكر في الحقب الماضية، وآن أن يُنفض عنها غبار الإهمال والتهميش والإغفال والنكران.
ومن هنا يجب على الدولة ومؤسساتها، والمفكرين ومجالسهم، والعلماء ومنابرهم، والمجتمع المدني وصالاته؛ السعيُ في تغيير الصورة النمطية السائدة، ورد الاعتبار لـ"الصانع" الموريتاني بالإشادة والتكريم والتنويه، وتخليد أمجاده التي سطّرها ببصمته، والتي كان لها الأثر الأبرز في تكوين الحضارة الموريتانية.

مواضيع مشابهة:

اضف تعليق


Security code
اعادة تنشيط

آراء حرة

شكرا لمدير تلفزيون الأغلبية / محمد الأمين ولد الفاضل

altلم أكن أتوقع أن مدير التلفزيون الحالي سيصر على احتجاز الحلقة الثانية من برنامجي "خطوة إلى القمة"، وهو البرنامج الذي بذلت وقتا وجهدا كبيرا من أجل إعداده، وذلك حتى أقدم مادة مفيدة لجمهور طويل وعريض طالما انتظر أن تقدم له "تلفزيونه" شيئا مفيدا.

مواضيع مشابهة:

ردا على ولد سيدي مولود - الإلزامات والتتبع (2)/ محمد الأمين محمد المختار

من الضروري ابتداءً أن أبدي الاعتذار للقراء الكرام الذين سألوا عن الحلقة الثانية من هذا المقال، حيث كنت على جناح سفر مفاجئ، أبعدني عن عالم الشبكة العنكبوتية.

لقد رأينا في القسم الأول من هذا الرد، كيف يقع الكاتب في مطبات تُلزمه بمواقف لو صرح بها لانتقض بناؤه وخر ركاماً، مع أن من يتابع أفكاره المبثوثة في مختلِف مقالاته لا يستغرب منه أن يلتزم بتلك الإلزامات، بعد أن يسبغ عليها لبوساً من "زخرف القول وسحر البيان".

مواضيع مشابهة:

درس في النحو السياسي..!!

altفي عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.

مواضيع مشابهة:

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية / حبيب الله ولد أحمد

altحتى لا تغرق السفينة..!!

(من المخجل أن نتفرج على وطننا الحبيب صريعا تحت أقدام نظام لا يريد أكثر من البقاء في السلطة بأي ثمن ومعارضة لا تريد سوى الوصول إليها بأي ثمن... ويتطلب منا الانحياز لموريتانيا الموحدة والمستقلة و المستقرة وضع النقاط على الحروف ومخاطبة الجميع بصدق وأمانة بحثا عن مخرج لأزمتنا الحالية ومحاولة للخروج من نفقها المظلم)

"ثوار" موريتانيا.. كانوا أحرص الناس على حياة/ سيدى محمد ابه

altاستسمحكم فأنا مضطر للمغادرة لعيادة جرحى المنسقية" كلمات "خالدة" لأحد قادة المعارضة "الثائرين" لحظات بعد تدخل قوى الأمن ليلة فض الاعتصام الأول قرب مسجد ابن عباس.. في صباح اليوم الموالي اكتشف المعتصمون أن رئيسهم "الثوري" كان يريد مغادرة المكان فقط، فقد وصل وحيدا إلى المستشفى وقبل وصول الجرحى المزعومين.. هي إذن أفضل الطرق للهروب من المواجهة..

مواضيع مشابهة:

آخر التعليقات

  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    نثمن عاليامجهودات القائمين على موقع التيسير الثقافي المبارك ونلتمس منهم الإسراع في نشر الحلقات المتبقية من هذا الكتاب الجيد الذي كانت الساحة العلمية والثقافية في أمس الحاجة اليه وشكرا جزيلا
    بواسطة محمد
  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    جزاكم الله خيرا علي نشركم لهذالبحث الذي هو حقا فضل من الله تعالي علي هذه الامة المباركة وأطلب من المؤلف أن يهدي منه نسخة (...) لعلي الله أن يهديه بها ان هو طالعها وجزي الله المؤلف كل خير علي هذالعمل الذي ادخره الله له ليكون نبراسا للطيبين ودامغا للمرجفين وحجة في التوسل بجاه سيد الاولين والاخرين
    بواسطة الحاجي
  • السلفيون في تونس / محمد كريشان...
    لا أدري سبب عدم نشر مقالات الكاتب مصطفى قطبي فقد كنا ننتظرها بفارغ الصبر.ونأمل من إدارة التيسير أن تنشر جديد الكاتب لأهمية الحمولة الفكرية والثقافية التي تتميز بها كتاباته ودراساته.
    بواسطة الشيخ مختار الحاتمي