25 آب/أغسطس 2011
الاثنين 10 كانون الثاني (يناير) 2011
![]() |
يتطرق الشعراء اللهجيون في إنتاجاتهم الأدبية إلى الكثير من المعاني الدالة، تارة تكون صريحة وتارة تكون مخفية في استعارات وكنايات أو تلاعب بالألفاظ. ويقول النقاد إن باب "الكيفان" هو أصعب أنواع الشعر الحساني لأن الشاعر فيه محتجز بين أربع "تفلواتن" ومحكوم عليه أن يرمي بكل ما في جعبته مع السيطرة على المعنى التام في هذا الكلام القليل جدا بالمقارنة مع "اطلعْ" و"لكرز" التي يجد فيها الشاعر فسحة لا حدود لها لإنهاء المعنى المراد.
وهنا نتتبع بعض "الكفان" مع شروح بسيطة:
*منـّي مَسْـقومْ احْـدَيْدْ++ أُ منًّ مسقومْ أطـَـمْ
غيْرْ ألاَّ كدْ أكـْدَيْدْ++السَّقمَيْنْ: العَدَمْ
لقد استخدم الشاعر التصغير في كلمتي "احْـدَيـْـدْ" و"اكْـدَيـْـدْ" للتعبير عن خفة وقلة وربما رشاقة العشقيـْن: عشق الحبيبة له وعشقه لها الزائد قليلا لأنه "أطَـمْ"، قبل أن يقارنهما بالعدم. إنه تعبير جميل عن طلب الاستزادة من العشق.
*الِّ نبْغِ والـْحَكْ زَيْــــنْ++اعْـــليَّانَ بالـْمَارَ
عَدِ بـِـيهَ فـ احْوَيْ بَيْنْ++ لمَّيْلحْ والـْخـُوَّارَ
هذا العاشق طال زمانه بمعشوقته. لقد انصرم حبل الوصل بينها منذ زمن بعيد؛ وهو ما عبر عنه بـ "عدِ بيهَ". لم يتطرق الشاعر العاشق لأسباب هذا الهجر، غير أن تذكره لها وحوكه الشعر فيها دليل واضح على أن تلك الأسباب كانت قاهرة قطعا.
*لـُلالِ، منْ طـُولْ عَهْــــــدِ++بـِـيكْ أُ ذاكْ اصْحِيحْ،
مسْوَاكْ امْنْ آتِيلْ عَـنـْـدِ++والتسبـــيح، انـْـريحْ
جملة اعتراضية أخفت المعنى بعيدا. فالمضمون المنثور هو: "لـُلالِ مسْوَاكْ امْنْ آتِيلْ عَـنـْـدِ والتسبـــيح، انـْـريحْ، منْ طـُولْ عَهْــــــدِ بـِـيكْ أُ ذاكْ اصْحِيحْ". مع العلم بأن "منْ" هنا سببية. أي " لولا عود سواك وتسبيحة كنتِ أهديتهما لي لضعت بسبب طول الفترة التي لم نلتق خلالها". ويتضح من خلال "الكاف" أن المرأة كانت، إلى فترة قريبة، تهدي الرجل مسواكا أو تسبيحة أو خاتما لتبقى عنده كذكرى لها، فالأمر بمثابة وثيقة متخيلة وموقعة ضمنيا بين الاثنين.
*عَوْدانك يَـ اغلانَ++وَجعْـتك فـ الـْـكلـْتِ
شاكلتكْ عتْ آنَ++توْجَعْنِ شاكلتِ
هنا يسقط الشاعر مريضا لمجرد أن المعشوقة قالت بأنها مريضة. فأي ترابط هذا!.. إنها تلازمية غريبة تذكرنا بقول شاعر آخر في محبوبة له تدعى انـِّينْ:
امنينْ اتصحْ انـّينْ انصحْ++وامنـَـيْنْ اتكومْ، انكومْ النـّـينْ
وامنينْ اتكحْ انينْ انـْـكحْ++وامنينْ اتنينْ انّينْ انـّينْ
فلا أدل على الحب من أن تحاكي المحبوبة في كل شيء: الصحة، الكحة، القيام، الأنين.
*عَرْفتْ سبّتْ فلشِ++عَكـْبتْ واعْرَفتْ آنَ
عنِّي كَوّالْ الـْ شِ++مَا رَادُ مُـلانَ
يبدو أن الشاعر أنهى علاقته بالمعشوقة، وحلف الأيمان المغلظة أنه لن يعود إليها أبدا، لكنه في النهاية عاد إليها نادما أسِفا، قائلا بأنه عرف في ما بعد، كما عرفت المعشوقة، أنه كذاب أشر.
*لا كالُ عَـنـّكْ ما اشـْكَاكْ++وُحْشْ الْ تبغ واسْقامُ
لا تجّلـّجْ منْ ذاكْ، ذاكْ++انتَ ما فيكْ اعْـظامُ
الشاعر يخاطب نفسه طالبا منها أن لا تحزن وأن لا تتأثر بما يقوله الآخرون من أنه لم يشق بشوق وحب حبيبته؛ فهو بهما شقي فعلا ولا مجال في طيات نفسه لغير ذلك.
*الـْبَارحْ رَيْتْ امْعَاكْ حَدْ++واللـَّيْلَ يَـ الـْمَجْحُودَ
هَاذ حَدْ أًوْخـَرْ؛ مَا انـْكدْ++نحْملْ ذ منْ لحْــدُودَ
هذا الشاعر السقيم لا يمكن لنفسه أن تتحمل وجود شخص البارحة مع معشوقة وشخص الليلة معها. إنها الشكوى من مزاحمة الآخرين له. فالشاعر هنا ليس سيدا تماما لبيت العشق الذي بناه مما ولـّـد لديه ميَـلانا للشكوى العلنية.


في عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.