الاثنين 10 كانون الثاني (يناير) 2011

 

 

يتطرق الشعراء اللهجيون في إنتاجاتهم الأدبية إلى الكثير من المعاني الدالة، تارة تكون صريحة وتارة تكون مخفية في استعارات وكنايات أو تلاعب بالألفاظ. ويقول النقاد إن باب "الكيفان" هو أصعب أنواع الشعر الحساني لأن الشاعر فيه محتجز بين أربع "تفلواتن" ومحكوم عليه أن يرمي بكل ما في جعبته مع السيطرة على المعنى التام في هذا الكلام القليل جدا بالمقارنة مع "اطلعْ" و"لكرز" التي يجد فيها الشاعر فسحة لا حدود لها لإنهاء المعنى المراد.

وهنا نتتبع بعض "الكفان" مع شروح بسيطة:

*منـّي مَسْـقومْ احْـدَيْدْ++ أُ منًّ مسقومْ أطـَـمْ

غيْرْ ألاَّ كدْ أكـْدَيْدْ++السَّقمَيْنْ: العَدَمْ

لقد استخدم الشاعر التصغير في كلمتي "احْـدَيـْـدْ" و"اكْـدَيـْـدْ" للتعبير عن خفة وقلة وربما رشاقة العشقيـْن: عشق الحبيبة له وعشقه لها الزائد قليلا لأنه "أطَـمْ"، قبل أن يقارنهما بالعدم. إنه تعبير جميل عن طلب الاستزادة من العشق.

*الِّ نبْغِ والـْحَكْ زَيْــــنْ++اعْـــليَّانَ بالـْمَارَ

عَدِ بـِـيهَ فـ احْوَيْ بَيْنْ++ لمَّيْلحْ والـْخـُوَّارَ

هذا العاشق طال زمانه بمعشوقته. لقد انصرم حبل الوصل بينها منذ زمن بعيد؛ وهو ما عبر عنه بـ "عدِ بيهَ". لم يتطرق الشاعر العاشق لأسباب هذا الهجر، غير أن تذكره لها وحوكه الشعر فيها دليل واضح على أن تلك الأسباب كانت قاهرة قطعا.

*لـُلالِ، منْ طـُولْ عَهْــــــدِ++بـِـيكْ أُ ذاكْ اصْحِيحْ،

مسْوَاكْ امْنْ آتِيلْ عَـنـْـدِ++والتسبـــيح، انـْـريحْ

جملة اعتراضية أخفت المعنى بعيدا. فالمضمون المنثور هو: "لـُلالِ مسْوَاكْ امْنْ آتِيلْ عَـنـْـدِ والتسبـــيح، انـْـريحْ، منْ طـُولْ عَهْــــــدِ بـِـيكْ أُ ذاكْ اصْحِيحْ". مع العلم بأن "منْ" هنا سببية. أي " لولا عود سواك وتسبيحة كنتِ أهديتهما لي لضعت بسبب طول الفترة التي لم نلتق خلالها". ويتضح من خلال "الكاف" أن المرأة كانت، إلى فترة قريبة، تهدي الرجل مسواكا أو تسبيحة أو خاتما لتبقى عنده كذكرى لها، فالأمر بمثابة وثيقة متخيلة وموقعة ضمنيا بين الاثنين.

*عَوْدانك يَـ اغلانَ++وَجعْـتك فـ الـْـكلـْتِ

شاكلتكْ عتْ آنَ++توْجَعْنِ شاكلتِ

هنا يسقط الشاعر مريضا لمجرد أن المعشوقة قالت بأنها مريضة. فأي ترابط هذا!.. إنها تلازمية غريبة تذكرنا بقول شاعر آخر في محبوبة له تدعى انـِّينْ:

امنينْ اتصحْ انـّينْ انصحْ++وامنـَـيْنْ اتكومْ، انكومْ النـّـينْ

وامنينْ اتكحْ انينْ انـْـكحْ++وامنينْ اتنينْ انّينْ انـّينْ

فلا أدل على الحب من أن تحاكي المحبوبة في كل شيء: الصحة، الكحة، القيام، الأنين.

*عَرْفتْ سبّتْ فلشِ++عَكـْبتْ واعْرَفتْ آنَ

عنِّي كَوّالْ الـْ شِ++مَا رَادُ مُـلانَ

يبدو أن الشاعر أنهى علاقته بالمعشوقة، وحلف الأيمان المغلظة أنه لن يعود إليها أبدا، لكنه في النهاية عاد إليها نادما أسِفا، قائلا بأنه عرف في ما بعد، كما عرفت المعشوقة، أنه كذاب أشر.

*لا كالُ عَـنـّكْ ما اشـْكَاكْ++وُحْشْ الْ تبغ واسْقامُ

لا تجّلـّجْ منْ ذاكْ، ذاكْ++انتَ ما فيكْ اعْـظامُ

الشاعر يخاطب نفسه طالبا منها أن لا تحزن وأن لا تتأثر بما يقوله الآخرون من أنه لم يشق بشوق وحب حبيبته؛ فهو بهما شقي فعلا ولا مجال في طيات نفسه لغير ذلك.

*الـْبَارحْ رَيْتْ امْعَاكْ حَدْ++واللـَّيْلَ يَـ الـْمَجْحُودَ

هَاذ حَدْ أًوْخـَرْ؛ مَا انـْكدْ++نحْملْ ذ منْ لحْــدُودَ

هذا الشاعر السقيم لا يمكن لنفسه أن تتحمل وجود شخص البارحة مع معشوقة وشخص الليلة معها. إنها الشكوى من مزاحمة الآخرين له. فالشاعر هنا ليس سيدا تماما لبيت العشق الذي بناه مما ولـّـد لديه ميَـلانا للشكوى العلنية.

 

مواضيع مشابهة:

اضف تعليق


Security code
اعادة تنشيط

آراء حرة

شكرا لمدير تلفزيون الأغلبية / محمد الأمين ولد الفاضل

altلم أكن أتوقع أن مدير التلفزيون الحالي سيصر على احتجاز الحلقة الثانية من برنامجي "خطوة إلى القمة"، وهو البرنامج الذي بذلت وقتا وجهدا كبيرا من أجل إعداده، وذلك حتى أقدم مادة مفيدة لجمهور طويل وعريض طالما انتظر أن تقدم له "تلفزيونه" شيئا مفيدا.

مواضيع مشابهة:

ردا على ولد سيدي مولود - الإلزامات والتتبع (2)/ محمد الأمين محمد المختار

من الضروري ابتداءً أن أبدي الاعتذار للقراء الكرام الذين سألوا عن الحلقة الثانية من هذا المقال، حيث كنت على جناح سفر مفاجئ، أبعدني عن عالم الشبكة العنكبوتية.

لقد رأينا في القسم الأول من هذا الرد، كيف يقع الكاتب في مطبات تُلزمه بمواقف لو صرح بها لانتقض بناؤه وخر ركاماً، مع أن من يتابع أفكاره المبثوثة في مختلِف مقالاته لا يستغرب منه أن يلتزم بتلك الإلزامات، بعد أن يسبغ عليها لبوساً من "زخرف القول وسحر البيان".

مواضيع مشابهة:

درس في النحو السياسي..!!

altفي عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.

مواضيع مشابهة:

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية / حبيب الله ولد أحمد

altحتى لا تغرق السفينة..!!

(من المخجل أن نتفرج على وطننا الحبيب صريعا تحت أقدام نظام لا يريد أكثر من البقاء في السلطة بأي ثمن ومعارضة لا تريد سوى الوصول إليها بأي ثمن... ويتطلب منا الانحياز لموريتانيا الموحدة والمستقلة و المستقرة وضع النقاط على الحروف ومخاطبة الجميع بصدق وأمانة بحثا عن مخرج لأزمتنا الحالية ومحاولة للخروج من نفقها المظلم)

"ثوار" موريتانيا.. كانوا أحرص الناس على حياة/ سيدى محمد ابه

altاستسمحكم فأنا مضطر للمغادرة لعيادة جرحى المنسقية" كلمات "خالدة" لأحد قادة المعارضة "الثائرين" لحظات بعد تدخل قوى الأمن ليلة فض الاعتصام الأول قرب مسجد ابن عباس.. في صباح اليوم الموالي اكتشف المعتصمون أن رئيسهم "الثوري" كان يريد مغادرة المكان فقط، فقد وصل وحيدا إلى المستشفى وقبل وصول الجرحى المزعومين.. هي إذن أفضل الطرق للهروب من المواجهة..

مواضيع مشابهة:

آخر التعليقات

  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    نثمن عاليامجهودات القائمين على موقع التيسير الثقافي المبارك ونلتمس منهم الإسراع في نشر الحلقات المتبقية من هذا الكتاب الجيد الذي كانت الساحة العلمية والثقافية في أمس الحاجة اليه وشكرا جزيلا
    بواسطة محمد
  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    جزاكم الله خيرا علي نشركم لهذالبحث الذي هو حقا فضل من الله تعالي علي هذه الامة المباركة وأطلب من المؤلف أن يهدي منه نسخة (...) لعلي الله أن يهديه بها ان هو طالعها وجزي الله المؤلف كل خير علي هذالعمل الذي ادخره الله له ليكون نبراسا للطيبين ودامغا للمرجفين وحجة في التوسل بجاه سيد الاولين والاخرين
    بواسطة الحاجي
  • السلفيون في تونس / محمد كريشان...
    لا أدري سبب عدم نشر مقالات الكاتب مصطفى قطبي فقد كنا ننتظرها بفارغ الصبر.ونأمل من إدارة التيسير أن تنشر جديد الكاتب لأهمية الحمولة الفكرية والثقافية التي تتميز بها كتاباته ودراساته.
    بواسطة الشيخ مختار الحاتمي