alt   حين قامت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، هللت لها الحركة الإسلامية، بصفتها انتصارا للإسلام، على العلمانية والطاغوت، ولم يسأل أحد عن مذهب الخميني، وإنما عد، مجددا للدين، وانتصاره آية من آيات الله العظمى... وطار بعض مؤلفي الإخوان، ومفكريهم إلى إيران

الثورة الإسلامية، وألف عنها كتابا. وتبنت الثورة الإيرانية القضية الفلسطينية، واستثمرت فيها ماديا، ومعنويا، فكانت السند الوحيد لحركتي حماس، والجهاد الإسلامي، حين أسقطهما أهل السنة والجماعة، من ديوان الصدقات، فلم يعدوهم فقراء، ولا مساكين، ولا صنفوا مقاومتهم جهادا في سبيل الله، استصحابا لفتوى أمريكية، صنفت الحركتين ضمن المنظمات الإرهابية...  كانت إيران الممول الوحيد للحركتين، تشتري لهما السلاح، وتدفع رواتب حكومة غزة، ونفقاتها، وتقيم قيادتا الحركتين في دمشق، عند حليف إيران، الذي لم يكن أحد يسأل عن مذهبه، هو الآخر، وإنما كان صموده، ودعمه للمقاومة، يرفعه إلى مصاف البدريين، الذين ربما اطلع الله عليهم فقال لهم افعلوا ما شئتم، فقد غفرت لكم...

كانت قيادات حماس، بكل مستوياتها، تحج إلى طهران، وتتخذ من دمشق مثابة، ولا حديث إلا عن العداء للصهيونية، والصمود في وجه الامبريالية، وكانت دمشق، وطهران، والضاحية الجنوبية من بيروت، تمثل إلى جانب غزة، قلاع شموخ في وجه التتار، بعد سقوط بغداد... وبذلك جمعت الخنادق بين حسن البنا، ومشيل عفلق، والإمام الخميني، وبدا الانسجام كاملا بين الثلاثة، رغم الاختلاف في الملل، والأهواء، والنحل...

ثم جاء الربيع الغربي، "يحتال بائسا..."، فانقلبت المفاهيم، وتبدلت التحالفات؛ أصبحت الدول الاستعمارية، بريطانيا، وفرنسا، ورأس الامبريالية العالمية، أمريكا، وذراعهم العسكري، حلف شمال الأطلسي، صانعي الثورات، وخير سند لها!!! ووجد الإخوان أنفسهم وسط الغوغاء، يهتفون بإسقاط النظام، ويمنعون المتحمسين من أنصارهم من رفع شعارات إسلامية، حفاظا على الوحدة الوطنية في مصر، وعلى مشاعر العلمانيين في تونس!

كان "ربيع الإخوان" نقيضا للثورة الإسلامية، في إيران، التي اكتشفنا اليوم، أنها شيعية. أعلن الخميني، منذ اللحظة الأولى عداءه لأمريكا، وفعلت أمريكا كل ما في وسعها لإفشال ثورته، بينما رعت أمريكا، وحلفاؤها، "ربيع الإخوان" حتى أينع، وأمرع بقله وقثاؤه. رفعت ثورة الخميني شعار "الله أكبر"، رغم أنف علمانيي أبي الحسن بني صدر، وماركسيي جماعة خلق، و"حزب توده"، الذين ناصروا الثورة، وحاولوا اختطافها.

كانت ثورة الخميني ثورة، بالمعنى الذي كرسته نضالات الشعوب ضد الاستعمار والامبريالية، فكان عداؤهم لها معلنا، أما ثورات اليوم، فإن منظرها (برنار هانري ليفي)، فيلسوف الصهيونية الأول، وذراعها الضاربة حلف (النيتو)، وغايتها القصوى إجراء انتخابات توصل الإخوان إلى السلطة، لإقامة دولة مدنية...

كان الإخوان مرتاحين للدور الذي أسند إليهم في تونس ومصر، فخورين بجهادهم في ليبيا تحت صليب بريطانيا، وثالوث فرنسا، حتى إذا وصلت "عواصف الربيع" إلى عرين الأسد، مثابة المقاومة، وقلعة الصمود والمواجهة، كما وصفها، ذات يوم، خالد مشعل، تردد القوم وارتابوا.. أي الحزبين يختاروا؟!

لم تعد جلق كما كانت.. ولا بد من الرحيل، ليكون مجال المناورة أوسع، واتخاذ المواقف الصريحة أأمن.. قبل إتمام ذلك لا بأس بتحريك الأذرع البعيدة، لنصرة "الثائرين". في هذا السياق تندرج خطبة القرضاوي يوم الجمعة 21/10/2011، حين شدد على نصرة المجلس الانتقالي في سوريا، وقال: " أنا مع هذا المجلس، أنا مع برهان غليون..."، ولمن لا يعرف برهان غليون، فهو علماني سوري، (عبر عن فكره العلماني بوضوح في كتابه: الدين والدولة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1991)، يقيم في فرنسا منذ عشرات السنين، ولم يعرف عنه نضال سياسي، حتى أخرجته فرنسا من جرابها، ووضعته على رأس المجلس الإنتقالي! ويعرج الشيخ، في الخطبة إياها، على الضاحية الجنوبية ليعيب على "حزب الشعب، الذي يسمنوه حزب الله إرسال المقاتلين إلى سوريا لقمع انتفاضة الشعب السوري..."

سبحان الله! ألم يكن القرضاوي يهلل لانتصارات حزب الله (ويسميه بهذا الاسم جهارا نهارا) على إسرائيل، ويشيد بجهاد السيد حسن نصر الله، فما الذي تغير، حتى أصبح الشيخ ينبز الحزب بالألقاب، ويتحرج من تسميته بما كان يسميه به! ما ذا سيقول القرضاوي غدا عن سيدي بوزيد "المجاهدة"، و"الشهيد" البوعزيزي، بعد تظاهر المدينة ضد النهضة، وإحراق مقرها؟

وفي نفس السياق أيضا طالعنا الرجل الثاني، في حزب الإصلاح الموريتاني، بمقال عن "العلاقة مع إيران والخطر القادم". ويبدو أن المقال حلقة في سلسلة الله أعلم بذرعها... تحدث الكاتب، في الحلقة الثانية عن الردود، التي جاءته على المقال، ومنها "... مشيدة بما تعتبره قولا للحق في وقته..." مسألة التوقيت هذه قد تستدعي من الريبة، أكثر مما تستدعي من الإشادة.. مر على استعادة العلاقات بين الجمهورية الإسلامية الموريتانية، والجمهورية الإسلامية الإيرانية ما يكفي من الوقت لإصدار موسوعات، ولم يكتب الإخوان سطرا واحدا إلا في هذا التوقيت، الذي تشدد فيه أمريكا حملتها على إيران، وتلفق لها التهم، كما لفقتها من قبل للعراق، فهل كان التزامن عرضيا، أم حذو نعل بالنعل؟

يدعم الكاتب وجهة نظره، في الخطر الشيعي، بإضافة حلقة جديدة، من نفس المعدن.. "وكانت النقلة في الموضوع عندما خطب فضيلة الشيخ [...] يوم الجمعة الموالي عن خطر التشيع فانضاف للموضوع شيء جديد بحجم الشيخ ... الذي عودنا على القول لحظة الحاجة..." تزامن غريب بين خطبتين ومقالة، تخرج من نفس المشكاة، "قولا للحق في وقته" بعد تشكيل المجلس الانتقالي، و "لحظة الحاجة" إلى تأمين دعم يحتاجه الإخوان في سوريا بعد فشل محاولات استخدام الجامعة العربية...

يعرِّض الرجل الثاني في حزب الإصلاح، بموقف الشيعة من الصحابة، رضوان الله عليهم، وهو موقف ليس وليد اليوم، وإنما هو جزء من عقيدة القوم، فكيف سكت عنه حتى هذه اللحظة؟ ثم إن أحد كتاب الإخوان، الذي سماه إعلام الإصلاح "مفكرا إسلاميا"، كتب كتابا تتبع فيه ما عده "مثالب" بعض الصحابة، خاصة معاوية، وعمرو بن العاص، رضي الله عنهما، ولم يتصد أحد من الإخوان للدفاع عن الصحابة، بل إن الغنوشي، مفكر إسلامي آخر، قدم للكتاب، واحتفى به!

يختم الكاتب حلقته الثانية بنص في الوعد والوعيد، أرجو أن يكون على عقيدة الأشعري، لا على مبدأ الاعتزال.." أنا ماض في هذا الواجب الشرعي في المحافظة على الإسلام وعقيدته نقيا خالصا سائغا للمتدينين... وحادبا على الوطن من تشتت مقدم إن تم للشيعة ما أرادوا من تغيير عقائد الناس."

ذاك بيت القصيد. هذا الهجوم المنسق على إيران، وسوريا، والضاحية الجنوبية، ليس سوى أداء للواجب "الشرعي في المحافظة على الإسلام وعقيدته نقيا خالصا..." سبحان الله! أيهما يهدد الإسلام، وعقيدته النقية؛ العلاقة مع إيران، أم العلاقة مع أمركا التي تشن حربا على الإسلام، وفرنسا الصليبية، التي تحظر النقاب على أرضها؟ أليست الإرساليات الأمريكية، والفرنسية أشد خطرا على الإسلام من المد الشيعي! أم العلاقة مع أمريكا وفرنسا هي التي ستمكن للإخوان في الأرض بعد أن علمنتهم؟

يكمن كل الخلاف مع الإخوان في هذه النقطة بالذات: "نحن الإسلام"، بألف ولام العهد، كما قال حسن البنا رحمه الله، مستعيدا قول ملك الإفرنجه:"أنا الدولة". هذا التماهي بين حركة سياسية، هدفها الوصول إلى السلطة، ككل الأحزاب السياسية، وبين دين، لا يقبله الله، إلا إذا كان خالصا لوجهه، هو ما لا يقره جل المسلمين، لأنه يرهن الإسلام، عقيدة وشريعة لمصلحة حزب سياسي لن تعوزه التبريرات "الشرعية" لجعل التصويت لصالحه واجبا شرعيا، حسب بيان القرضاوي بمناسبة الانتخابات في تونس، وكما أفتى الأزهر بحرمة التصويت لرجال الحزب الوطني في مصر! وصدق الله العظيم، حين قال: "اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون."

أما حدب الكاتب على الوطن، فيفهم ضمن سياق آخر، محلي، أملته نتائج الحوار الوطني بين السلطة والمعارضة، وهي نتائج لم تبق للثلاثة، الذين خلفوا، سوى توبة مستوفية للشروط، أرجو ألا تستغرق من الوقت، ما استغرقه اكتشافهم أن العلاقات مع إيران تشكل خطرا قادما..

 

 

مواضيع مشابهة:

اضف تعليق


Security code
اعادة تنشيط

آراء حرة

شكرا لمدير تلفزيون الأغلبية / محمد الأمين ولد الفاضل

altلم أكن أتوقع أن مدير التلفزيون الحالي سيصر على احتجاز الحلقة الثانية من برنامجي "خطوة إلى القمة"، وهو البرنامج الذي بذلت وقتا وجهدا كبيرا من أجل إعداده، وذلك حتى أقدم مادة مفيدة لجمهور طويل وعريض طالما انتظر أن تقدم له "تلفزيونه" شيئا مفيدا.

مواضيع مشابهة:

ردا على ولد سيدي مولود - الإلزامات والتتبع (2)/ محمد الأمين محمد المختار

من الضروري ابتداءً أن أبدي الاعتذار للقراء الكرام الذين سألوا عن الحلقة الثانية من هذا المقال، حيث كنت على جناح سفر مفاجئ، أبعدني عن عالم الشبكة العنكبوتية.

لقد رأينا في القسم الأول من هذا الرد، كيف يقع الكاتب في مطبات تُلزمه بمواقف لو صرح بها لانتقض بناؤه وخر ركاماً، مع أن من يتابع أفكاره المبثوثة في مختلِف مقالاته لا يستغرب منه أن يلتزم بتلك الإلزامات، بعد أن يسبغ عليها لبوساً من "زخرف القول وسحر البيان".

مواضيع مشابهة:

درس في النحو السياسي..!!

altفي عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.

مواضيع مشابهة:

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية / حبيب الله ولد أحمد

altحتى لا تغرق السفينة..!!

(من المخجل أن نتفرج على وطننا الحبيب صريعا تحت أقدام نظام لا يريد أكثر من البقاء في السلطة بأي ثمن ومعارضة لا تريد سوى الوصول إليها بأي ثمن... ويتطلب منا الانحياز لموريتانيا الموحدة والمستقلة و المستقرة وضع النقاط على الحروف ومخاطبة الجميع بصدق وأمانة بحثا عن مخرج لأزمتنا الحالية ومحاولة للخروج من نفقها المظلم)

"ثوار" موريتانيا.. كانوا أحرص الناس على حياة/ سيدى محمد ابه

altاستسمحكم فأنا مضطر للمغادرة لعيادة جرحى المنسقية" كلمات "خالدة" لأحد قادة المعارضة "الثائرين" لحظات بعد تدخل قوى الأمن ليلة فض الاعتصام الأول قرب مسجد ابن عباس.. في صباح اليوم الموالي اكتشف المعتصمون أن رئيسهم "الثوري" كان يريد مغادرة المكان فقط، فقد وصل وحيدا إلى المستشفى وقبل وصول الجرحى المزعومين.. هي إذن أفضل الطرق للهروب من المواجهة..

مواضيع مشابهة:

آخر التعليقات

  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    نثمن عاليامجهودات القائمين على موقع التيسير الثقافي المبارك ونلتمس منهم الإسراع في نشر الحلقات المتبقية من هذا الكتاب الجيد الذي كانت الساحة العلمية والثقافية في أمس الحاجة اليه وشكرا جزيلا
    بواسطة محمد
  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    جزاكم الله خيرا علي نشركم لهذالبحث الذي هو حقا فضل من الله تعالي علي هذه الامة المباركة وأطلب من المؤلف أن يهدي منه نسخة (...) لعلي الله أن يهديه بها ان هو طالعها وجزي الله المؤلف كل خير علي هذالعمل الذي ادخره الله له ليكون نبراسا للطيبين ودامغا للمرجفين وحجة في التوسل بجاه سيد الاولين والاخرين
    بواسطة الحاجي
  • السلفيون في تونس / محمد كريشان...
    لا أدري سبب عدم نشر مقالات الكاتب مصطفى قطبي فقد كنا ننتظرها بفارغ الصبر.ونأمل من إدارة التيسير أن تنشر جديد الكاتب لأهمية الحمولة الفكرية والثقافية التي تتميز بها كتاباته ودراساته.
    بواسطة الشيخ مختار الحاتمي