altما يجرى فى سوريا لا يمكن قبوله بأي منطق كان... فإبادة شعب بالحديد والنار، من طرف نظام لم يعد مرغوبا فيه،أمام أنظار عالم أخرس، أمر غير مستساغ، ولا يمكن تفهمه بأي حال من الأحوال..

إن على بشار الأسد أن يرحل اليوم قبل الغد، ليريح شعبه ونفسه ونظامه المنهار، ويضع حدا لشلال الدم... لم يعد السوريون يريدون بشار الأسد، وتلك هي الحقيقة... ولم تعد شعارات "المقاومة" و"الممانعة" و"الصمود" و"البعث" و"القومية العربية" وغيرها من "أوراق التوت" كافية لستر "عورة مغلظة" لنظام دموي همجي جبان ، ترك أرضه المحتلة من طرف الكيان الصهيوني فى الجولان، ليتفرغ للتنكيل بشعبه...

ووجه سلاح جيشه الوجهة الخطأ، إلى صدور مواطنيه العزل، الذين وجدوا أنفسهم فجأة تحت رحمة ترسانة تحركت بفيالقها البرية والبحرية والجوية، وبمدرعاتها ومجنزراتها، لتدمير القرى والبلدات، وهدم المساجد و الصوامع والبيع،  وحرق أجساد الاطفال والنساء والشيوخ، فى مشهد سيظل طويلا وصمة عار على جبين الجيش العربي السوري البطل، الذى عهدناه - ذات تاريخ رائع- جيشا عربيا أصيلا قويا، حارب بشراسة جيش العدوالصهيوني، واختلطت دماء شهدائه الأبرار بدماء شهداء إخوة الدم العربي، من فلسطينيين ولبنانيين وعراقيين ومصريين، أيام كان البعث بعثا، والقومية قومية، والمقاومة مقاومة، والصمود صمودا، والقادة قادة، والرجال رجالا، و السلاح العربي يعرف وجهته الحقيقية، وأيام كان للرجال العرب قضية ورسالة وقيادة حقيقية، وعندما كان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر يتقدم الجيوش العربية الموحدة، باتجاه معركتها الحقيقية، وهدفها النبيل فى استعادة الأراضى العربية، والثأر للكرامة العربية.

اليوم خلف من بعد عبد الناصرالعظيم خلف أضاعوا الرسالة القومية الحقة، واتبعوا شهوات الحكم بالديكتاتورية وبالحديد والنار، كافرين بالقومية نصا وروحا، منسلخين من قيم الانتماء الوطني، وحتى الديني والانساني، مصوبين السلاح إلى شعوبهم، مولين الدبر عن معركتهم الحقيقية، وهي استعادة الأراضى العربية المحتلة فى فلسطين والجولان وشبعا... ومن هؤلاء – يقينا- بشار الأسد، الذى "استأسد" على شعبه، وبقي فى الجولان المحتل مجرد "نعامة" خائفة تدس رأسها القبيح فى رمال الهزيمة والتولى يوم الزحف.. !!

ولقد كان السوريون – ومن اليوم الأول- رائعين فى ثورتهم، فبينما اختار الليبيون نهب السلاح واستخدامه فى اللحظات الأولى لـ"ثورتهم"، التى فض حلف الناتو بكارتها وعذريتها بتدخله العسكري الهمجي برا وبحرا وجوا، ورفعوا علما بألوان تحيل إلى العصيان والتمرد والحرابة والعودة إلى عصور أكثر ديكتاتورية، وفتحوا الباب على مصراعيه للأجانب لاحتلال بلدهم ونهب خيراته، وتدمير كل بناه التحتية، فإن السوريين - على غرار الشعبين المصري والتونسي- اختاروا طريق الثورة السلمية مضحين بعشرات الشهداء والجرحى رافضين بشكل قاطع التعامل مع الأجانب الذين يقفون رهن الإشارة للتدخل عسكريا، وكالعادة ليس لإزاحة النظام، وبسط الحرية، وتخليص الشعب، ولكن لتدمير البلد، وتمزيق لحمة الشعب، والاستفادة من عقود "إعمار" ما هدمته طائراتهم... فهم يدمرون لكى يجدوا فرصة للبقاء والنهب، تحت يافطة "الإعمار" كمارأينا فى النموذجين العراقي والليبي.. والشعوب العربية بنفس القدر الذى تريد فيه التخلص من أنظمتها الديكتاتورية طويلة الأعمار فإنها تأكيدا تود التخلص من تلك الأنظمة بعيدا عن الغرب وأحلافه وأطماعه فى الأراضى والثروات، إذ أنه لا يفعل شيئا من أجل سواد عيون الشعوب العربية، ولا يطلق صاروخا إلا إذا تأكد مسبقا أنه سيحصل على ثمنه مضاعفا عند نهاية مهمته، هذا إذا لم يحصل عليه مسبقا من طرف دويلات عربية غنية حديثة النشأة تبحث تحت غطائه عن موطئ قدم فى عالم لم تكن فيه يوما من الأيام شيئا مذكورا، كما فعلت دولتا قطر والإمارات فى الحالة الليبية، حيث تكفلتا بمصاريف الحرب، وعوضتا - بمسبق الدفع- لحلف الناتو كل قذيفة أطلقها على منشئة عسكرية أومدنية ،أومفرزة، أو مطار، أومشفى، أوحي سكني، على طول البلاد الليبية وعرضها...

إن على بشار الأسد التحرك بسرعة لحقن الدماء، عن طريق التنحي أوالاستقالة، أو الذهاب إلى منفي اختياري، أوحتى الذهاب إلى استفتاء شعبي نزيه وشفاف وحر يقول فيه السوريون الكلمة الفصل فى حقه.. فليس بمقدوره الاستمرار حاكما فوق جسر الجماجم المقام على أنهار الدماء المتدفقة عبر "دمشق" و"حماه" و"دير الزور" و"حمص" و"حلب" و"اللاذقية" و"البوكمال"، فقد آن له أن يرحل، وقد وصلته صرخات شعبه تطالبه بالرحيل، ورأى مصير أقرانه فى تونس ومصر وليبيا، فهذا منفي، وذاك سجين تحت المحاكمة، وذلك مطارد تتقاذفه السراديب والأقبية والدروب المظلمة..

لا بد للسوريين من بناء بلد بلا بشار وحكمه الطائفي المتعفن وراثيا والذى ركب الناس بالشعارات الورقية الجوفاء عقودا طويلة من الظلم والتسلط والبطش، بلد تسود فيه الحرية والديمقراطية، وتنعدم فيه الفوارق، وتخمد فيه نيران الفتن المذهبية، ويتوجه سلاح أبنائه للمعركة الأم، لاستعادة الجولان، ونصرة الشعب الفلسطيني، تلك هي رسالة الجيش العربي السوري ومعركته الحقيقية، وتلك هي طموحات الشعب العربي السوري الواحد، الذى لا قبل له بالبقاء فى عباءة مرقعة بوهم "الممانعة" وسراب " االمقاومة"... عباءة مفصلة بمقاسات تحالف خفي بغيض شكلا ومضمونا، يتداخل فيه ما لإيران بما لحزب الله وما لـ"قيصر" بما لله... تحالف أثبت فشله، وأثبت أن لا فرق لدى أطرافه بين "المقاومة" و"المقاولة"..

إن الشعوب العربية لم تثرعلى حكامها، بقدر ما أن التاريخ السياسي البشري ضج بالثورة والتململ تجاوزا لأنماط الحكم الحالية فى الوطن العربي، وخاصة وضعية "الملك الإله" التى مثلها بن علي، ومبارك، والقذافى، وصالح، وبشار، وآخرون منهم من ثار عليه شعبه وتجاوزه التاريخ، ومنهم من ينتظر... لقد لفظهم التاريخ البشري قبل أن تلفظهم الجغرافيا العربية، التى حولوا تضاريسها إلى بحار من الدماء والدموع، وهضاب من الخوف والقهر والجبروت، وجبال من التجويع والكبت والمحاق.

مواضيع مشابهة:

اضف تعليق


Security code
اعادة تنشيط

آراء حرة

شكرا لمدير تلفزيون الأغلبية / محمد الأمين ولد الفاضل

altلم أكن أتوقع أن مدير التلفزيون الحالي سيصر على احتجاز الحلقة الثانية من برنامجي "خطوة إلى القمة"، وهو البرنامج الذي بذلت وقتا وجهدا كبيرا من أجل إعداده، وذلك حتى أقدم مادة مفيدة لجمهور طويل وعريض طالما انتظر أن تقدم له "تلفزيونه" شيئا مفيدا.

مواضيع مشابهة:

ردا على ولد سيدي مولود - الإلزامات والتتبع (2)/ محمد الأمين محمد المختار

من الضروري ابتداءً أن أبدي الاعتذار للقراء الكرام الذين سألوا عن الحلقة الثانية من هذا المقال، حيث كنت على جناح سفر مفاجئ، أبعدني عن عالم الشبكة العنكبوتية.

لقد رأينا في القسم الأول من هذا الرد، كيف يقع الكاتب في مطبات تُلزمه بمواقف لو صرح بها لانتقض بناؤه وخر ركاماً، مع أن من يتابع أفكاره المبثوثة في مختلِف مقالاته لا يستغرب منه أن يلتزم بتلك الإلزامات، بعد أن يسبغ عليها لبوساً من "زخرف القول وسحر البيان".

مواضيع مشابهة:

درس في النحو السياسي..!!

altفي عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.

مواضيع مشابهة:

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية / حبيب الله ولد أحمد

altحتى لا تغرق السفينة..!!

(من المخجل أن نتفرج على وطننا الحبيب صريعا تحت أقدام نظام لا يريد أكثر من البقاء في السلطة بأي ثمن ومعارضة لا تريد سوى الوصول إليها بأي ثمن... ويتطلب منا الانحياز لموريتانيا الموحدة والمستقلة و المستقرة وضع النقاط على الحروف ومخاطبة الجميع بصدق وأمانة بحثا عن مخرج لأزمتنا الحالية ومحاولة للخروج من نفقها المظلم)

"ثوار" موريتانيا.. كانوا أحرص الناس على حياة/ سيدى محمد ابه

altاستسمحكم فأنا مضطر للمغادرة لعيادة جرحى المنسقية" كلمات "خالدة" لأحد قادة المعارضة "الثائرين" لحظات بعد تدخل قوى الأمن ليلة فض الاعتصام الأول قرب مسجد ابن عباس.. في صباح اليوم الموالي اكتشف المعتصمون أن رئيسهم "الثوري" كان يريد مغادرة المكان فقط، فقد وصل وحيدا إلى المستشفى وقبل وصول الجرحى المزعومين.. هي إذن أفضل الطرق للهروب من المواجهة..

مواضيع مشابهة:

آخر التعليقات

  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    نثمن عاليامجهودات القائمين على موقع التيسير الثقافي المبارك ونلتمس منهم الإسراع في نشر الحلقات المتبقية من هذا الكتاب الجيد الذي كانت الساحة العلمية والثقافية في أمس الحاجة اليه وشكرا جزيلا
    بواسطة محمد
  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    جزاكم الله خيرا علي نشركم لهذالبحث الذي هو حقا فضل من الله تعالي علي هذه الامة المباركة وأطلب من المؤلف أن يهدي منه نسخة (...) لعلي الله أن يهديه بها ان هو طالعها وجزي الله المؤلف كل خير علي هذالعمل الذي ادخره الله له ليكون نبراسا للطيبين ودامغا للمرجفين وحجة في التوسل بجاه سيد الاولين والاخرين
    بواسطة الحاجي
  • السلفيون في تونس / محمد كريشان...
    لا أدري سبب عدم نشر مقالات الكاتب مصطفى قطبي فقد كنا ننتظرها بفارغ الصبر.ونأمل من إدارة التيسير أن تنشر جديد الكاتب لأهمية الحمولة الفكرية والثقافية التي تتميز بها كتاباته ودراساته.
    بواسطة الشيخ مختار الحاتمي