21 آب/أغسطس 2011
هل من نجدة وفزعة لصَون ميراثنا الحضاري / المصطفى ولد أحمد سالم الشريف*
السبت 24 نيسان (أبريل) 2010
![]() |
الأمم تفاخر بعطائها الفكري والمعرفي وصروحها المادية المشيدة وهو ارثها الحضاري الذى به تباهي وتزاهي والكثير من الناس ارتبط بفكره ووعيه أن الحضارة بتعاريفها وتجلياتها ربيبة الحضارة تنمو حيث الأنهر والخصب والتنوع أما الصحراء فيها فيافي وقفار لا يخترقها إلا المغامرون أو قبائل أدمنت الرحيل في تطواف أبدي ولكن هذه الصورة مغلوطة فالصحراء العربية هي التى أنجبت محمداً وصحبه وقومه من العرب الذين اصطفاهم الله لحمل رسالته والإشعاع بها لما أودعهم من خصائص جعلتهم أهلا لذلك الدور فأقاموا صروح الدين والدنيا من غير تمييز ولاعسف ولا إقصاء فكانت حضارة إنسانية صهرت في بوتقتها كل العناصر التى أبدعت الحضارة العربية الإسلامية وقد كان النموذج الموريتاني تعبير أصيل عن حيوية الأمة وقدرتها على التجديد فقد انحاز أجدادنا إلى الصحراء المتوافقة مع خصائصهم الفطرية التى جبلوا عليها من الحرية ورفض التهجين والتدجين فكانت بيتهم الذين إليه يأوون حفظت لهم فصاحتهم وقيمهم بعيداً عن مدن الإقصاء و الإخصاء وتقبيل أيادي وعتبات السلاطين والأمراء
.
لم تكن الصحراء الموريتانية خلوا ولم تكن تبعاً أو ملحقاً لأحد بل كانت دوماً ملكاً لرجالها الذين ابتدعوا نموذجهم الفذ في بيئة قاسية فكانت البادية العالمة والمدن العامرة بالمكتبات و المنائر التى أشعت معارفها وعلومها فأضاءت ما بين عكفة النيجر إلى جبال الأندلس وحملت ركائبهم مشرقا ومغربا رجالا عظاما تفوح الأنوار منهم من كل جانب كانت تلك التجربة ولا زالت تبهر العالم وتشده لاكتشاف هذا الفضاء الحضاري الإنساني الفريد.
واليوم ليس من عذر لأبناء موريتانيا الصرحاء من الإشعاع بذلك الميراث والتعريف به وصونه وتوصيله وتتبع ما رُحِلَ منه إلى الغرب والجوار الإفريقي أو رَحَل مع علماء هذا البلد وأحفادهم وتلامذتهم الذين تتوزعهم خارطة العالم الإسلامي اليوم
والتواصل مع جالياتنا المقيمة في إفريقيا الغربية وحثها على البحث في قرى تلك البلدان وأريافها عن المخطوطات الموريتانية التى قد لا يزال منها ما هو حبيس كنانيش بعض الأسر الإفريقية في تلك البلدان والأمر ذاته موجه للباحثين والدولة الموريتانية للتحرك ومسح مكتبات العالم الإسلامي من الهند إلى الملايو إلى تركيا التى لاشك لن تخلوا مكتباتها العامرة من مخطوطات موريتانية : شنقيطية لعلمائنا الذين لم تنقطع ركائب حجهم وتسيارهم مشرقاً ومغربا وكل منهم زادهم العلم يحمله وكما يقال : " فلابد للزاوي من كناش يجمع فيه قاعداً أو ماشي "
وقد يساعدهم وجود جالية موريتانية معتبرة مقيمة في تركيا منذ زمن الدولة العثمانية في أضنة وأزمير منها العلماء الأجلاء الذين يجب التواصل مع أحفادهم الذين منهم من شغل مناصب ومراتب كبيرة في الدولة التركية الحديثة وربطهم بوطنهم الأم وتفعيل دورهم كحلقة ربط وتدعيم لأواصر الأخوة والتعاون مع تركيا والأمر ذاته ينطبق على الوجود الموريتاني الممتد من واحات توات إلى تيندوف إلى تيميمون وغيرها من المجتمعات في الجزائر والمغرب وليبيا وتونس التى كانت في صلة وتواصل إلى عهد الاستعمار البغيض الذى عمل جاهداً على قطع تلك الجذور وربطنا بقاعدته العتيدة عاصمة مستعمراته في غرب افريقية وعياً منه للدور الذى قام به أسلافنا من نشر للدين والعربية في المنطقة وسعياً في إلغاء ذلك الدور والفعل
يقول الأديب اللبناني يوسف مقلد :
للضاد في إفريقيا راية = = خفاقة رفافة عاليه
يرفعها العرب بنو عمنا الـ = بيضان أهل الهمة الساميه
هم ناشروها هم أساتيذها هم حصنها هم درعها الواقيه
حفزني للكتابة في هذا الهم القائم تكاسل الجيل الجديد وإعراضه عن هذا الكنز الذى لا تنقطع بركته وهو العلم النافع و دعوة ليكن منا أبناء صلحاء يتبعونهم بإحسان ويدعون لهم بالخير ويواصلون على دربهم العطاء
فهل من المقبول أن يترك هذا الميراث العظيم نهباً تتخطفه الأيدي وما تبقى منه تأكله الأرضة في صناديق لا يجد من يصونه وينشره لمصلحة من ذلك إن من واجبنا تعريف الجيل الجديد بتاريخه وعطاء أجداده حتى لا يكون عرضة للتغريب والتهجين
يقول أحدهم وقد آلمه حال المخطوطات الموريتانية التى تقدر بأزيد من أربعين ألف مخطوط شملت جميع معارف عصرها :
وقفت على كتب رثيت لباسها = = فقلت ودمع العين هامع
مضى أهلها وأستحقرت وتأيمت = = فليس لها بال ولا من يطالع
وعلى مثقفينا من باحثين وحقوقيين الترصد لكل من يطال هذه الكنوز من غير حق وهو مطلب ملح في زمن القرصنة بكل صنوفها ولعل ما لفت انتباهي كتاب بين يديّ بعنوان " نصيحة المشاور وتسلية المجاور لابن فرحون المالكي ت 769 ه حققه الدكتور علي عمر، الناشر مكتبة الثقافة الدينية القاهرة ، ط1 ، 2006
وكتب على المخطوط " ملكه بفضل ربه وكرمه محمد محمود بن التلاميد التركزي نسباً الشنقيطي إقليماً ثم وقفه على عصبته بعده وقفاً مؤبدا فاثمه عليه وكتبه مالكه و واقفه محمد محمود لطف به عام 1303ه
والقصد من هذا الأمر ما سلف التنبيه إلى حقوق موريتانية مُضاعة وتراث منهوب فهل من إمكانية لاسترجاع ذلك الحق براً ووفاء لهم
يقول شاعر سورية الكبير إبراهيم كرامة :
من أفق شنقيط في أعلى فروق بدا = = بدرٌ سنا فضله في الكون مشهود
فعاله وسجاياه وسيرته = = ووصفه واسمه في الناس محمود
ــــــــــــــــــــــــــــ
* مدير: مركز الموروس للدراسات والبحوث


في عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.