هل من نجدة وفزعة لصَون ميراثنا الحضاري / المصطفى ولد أحمد سالم الشريف*

السبت 24 نيسان (أبريل) 2010

 

 

الأمم تفاخر بعطائها الفكري والمعرفي وصروحها المادية المشيدة وهو ارثها الحضاري الذى به تباهي وتزاهي والكثير من الناس ارتبط بفكره ووعيه أن الحضارة بتعاريفها وتجلياتها ربيبة الحضارة تنمو حيث الأنهر والخصب والتنوع أما الصحراء فيها فيافي وقفار لا يخترقها إلا المغامرون أو قبائل أدمنت الرحيل في تطواف أبدي ولكن هذه الصورة مغلوطة فالصحراء العربية هي التى أنجبت محمداً وصحبه وقومه من العرب الذين اصطفاهم الله لحمل رسالته والإشعاع بها لما أودعهم من خصائص جعلتهم أهلا لذلك الدور فأقاموا صروح الدين والدنيا من غير تمييز ولاعسف ولا إقصاء فكانت حضارة إنسانية صهرت في بوتقتها كل العناصر التى أبدعت الحضارة العربية الإسلامية وقد كان النموذج الموريتاني تعبير أصيل عن حيوية الأمة وقدرتها على التجديد فقد انحاز أجدادنا إلى الصحراء المتوافقة مع خصائصهم الفطرية التى جبلوا عليها من الحرية ورفض التهجين والتدجين فكانت بيتهم الذين إليه يأوون حفظت لهم فصاحتهم وقيمهم بعيداً عن مدن الإقصاء و الإخصاء وتقبيل أيادي وعتبات السلاطين والأمراء

.

لم تكن الصحراء الموريتانية خلوا ولم تكن تبعاً أو ملحقاً لأحد بل كانت دوماً ملكاً لرجالها الذين ابتدعوا نموذجهم الفذ في بيئة قاسية فكانت البادية العالمة والمدن العامرة بالمكتبات و المنائر التى أشعت معارفها وعلومها فأضاءت ما بين عكفة النيجر إلى جبال الأندلس وحملت ركائبهم مشرقا ومغربا رجالا عظاما تفوح الأنوار منهم من كل جانب كانت تلك التجربة ولا زالت تبهر العالم وتشده لاكتشاف هذا الفضاء الحضاري الإنساني الفريد.

واليوم ليس من عذر لأبناء موريتانيا الصرحاء من الإشعاع بذلك الميراث والتعريف به وصونه وتوصيله وتتبع ما رُحِلَ منه إلى الغرب والجوار الإفريقي أو رَحَل مع علماء هذا البلد وأحفادهم وتلامذتهم الذين تتوزعهم خارطة العالم الإسلامي اليوم

والتواصل مع جالياتنا المقيمة في إفريقيا الغربية وحثها على البحث في قرى تلك البلدان وأريافها عن المخطوطات الموريتانية التى قد لا يزال منها ما هو حبيس كنانيش بعض الأسر الإفريقية في تلك البلدان والأمر ذاته موجه للباحثين والدولة الموريتانية للتحرك ومسح مكتبات العالم الإسلامي من الهند إلى الملايو إلى تركيا التى لاشك لن تخلوا مكتباتها العامرة من مخطوطات موريتانية : شنقيطية لعلمائنا الذين لم تنقطع ركائب حجهم وتسيارهم مشرقاً ومغربا وكل منهم زادهم العلم يحمله وكما يقال : " فلابد للزاوي من كناش يجمع فيه قاعداً أو ماشي "

وقد يساعدهم وجود جالية موريتانية معتبرة مقيمة في تركيا منذ زمن الدولة العثمانية في أضنة وأزمير منها العلماء الأجلاء الذين يجب التواصل مع أحفادهم الذين منهم من شغل مناصب ومراتب كبيرة في الدولة التركية الحديثة وربطهم بوطنهم الأم وتفعيل دورهم كحلقة ربط وتدعيم لأواصر الأخوة والتعاون مع تركيا والأمر ذاته ينطبق على الوجود الموريتاني الممتد من واحات توات إلى تيندوف إلى تيميمون وغيرها من المجتمعات في الجزائر والمغرب وليبيا وتونس التى كانت في صلة وتواصل إلى عهد الاستعمار البغيض الذى عمل جاهداً على قطع تلك الجذور وربطنا بقاعدته العتيدة عاصمة مستعمراته في غرب افريقية وعياً منه للدور الذى قام به أسلافنا من نشر للدين والعربية في المنطقة وسعياً في إلغاء ذلك الدور والفعل

يقول الأديب اللبناني يوسف مقلد :

للضاد في إفريقيا راية = = خفاقة رفافة عاليه

يرفعها العرب بنو عمنا الـ = بيضان أهل الهمة الساميه

هم ناشروها هم أساتيذها هم حصنها هم درعها الواقيه

حفزني للكتابة في هذا الهم القائم تكاسل الجيل الجديد وإعراضه عن هذا الكنز الذى لا تنقطع بركته وهو العلم النافع و دعوة ليكن منا أبناء صلحاء يتبعونهم بإحسان ويدعون لهم بالخير ويواصلون على دربهم العطاء

فهل من المقبول أن يترك هذا الميراث العظيم نهباً تتخطفه الأيدي وما تبقى منه تأكله الأرضة في صناديق لا يجد من يصونه وينشره لمصلحة من ذلك إن من واجبنا تعريف الجيل الجديد بتاريخه وعطاء أجداده حتى لا يكون عرضة للتغريب والتهجين

يقول أحدهم وقد آلمه حال المخطوطات الموريتانية التى تقدر بأزيد من أربعين ألف مخطوط شملت جميع معارف عصرها :

وقفت على كتب رثيت لباسها = = فقلت ودمع العين هامع

مضى أهلها وأستحقرت وتأيمت = = فليس لها بال ولا من يطالع

وعلى مثقفينا من باحثين وحقوقيين الترصد لكل من يطال هذه الكنوز من غير حق وهو مطلب ملح في زمن القرصنة بكل صنوفها ولعل ما لفت انتباهي كتاب بين يديّ بعنوان " نصيحة المشاور وتسلية المجاور لابن فرحون المالكي ت 769 ه حققه الدكتور علي عمر، الناشر مكتبة الثقافة الدينية القاهرة ، ط1 ، 2006

وكتب على المخطوط " ملكه بفضل ربه وكرمه محمد محمود بن التلاميد التركزي نسباً الشنقيطي إقليماً ثم وقفه على عصبته بعده وقفاً مؤبدا فاثمه عليه وكتبه مالكه و واقفه محمد محمود لطف به عام 1303ه

والقصد من هذا الأمر ما سلف التنبيه إلى حقوق موريتانية مُضاعة وتراث منهوب فهل من إمكانية لاسترجاع ذلك الحق براً ووفاء لهم

يقول شاعر سورية الكبير إبراهيم كرامة :

من أفق شنقيط في أعلى فروق بدا = = بدرٌ سنا فضله في الكون مشهود

فعاله وسجاياه وسيرته = = ووصفه واسمه في الناس محمود

ــــــــــــــــــــــــــــ

* مدير: مركز الموروس للدراسات والبحوث

مواضيع مشابهة:

اضف تعليق


Security code
اعادة تنشيط

آراء حرة

شكرا لمدير تلفزيون الأغلبية / محمد الأمين ولد الفاضل

altلم أكن أتوقع أن مدير التلفزيون الحالي سيصر على احتجاز الحلقة الثانية من برنامجي "خطوة إلى القمة"، وهو البرنامج الذي بذلت وقتا وجهدا كبيرا من أجل إعداده، وذلك حتى أقدم مادة مفيدة لجمهور طويل وعريض طالما انتظر أن تقدم له "تلفزيونه" شيئا مفيدا.

مواضيع مشابهة:

ردا على ولد سيدي مولود - الإلزامات والتتبع (2)/ محمد الأمين محمد المختار

من الضروري ابتداءً أن أبدي الاعتذار للقراء الكرام الذين سألوا عن الحلقة الثانية من هذا المقال، حيث كنت على جناح سفر مفاجئ، أبعدني عن عالم الشبكة العنكبوتية.

لقد رأينا في القسم الأول من هذا الرد، كيف يقع الكاتب في مطبات تُلزمه بمواقف لو صرح بها لانتقض بناؤه وخر ركاماً، مع أن من يتابع أفكاره المبثوثة في مختلِف مقالاته لا يستغرب منه أن يلتزم بتلك الإلزامات، بعد أن يسبغ عليها لبوساً من "زخرف القول وسحر البيان".

مواضيع مشابهة:

درس في النحو السياسي..!!

altفي عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.

مواضيع مشابهة:

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية / حبيب الله ولد أحمد

altحتى لا تغرق السفينة..!!

(من المخجل أن نتفرج على وطننا الحبيب صريعا تحت أقدام نظام لا يريد أكثر من البقاء في السلطة بأي ثمن ومعارضة لا تريد سوى الوصول إليها بأي ثمن... ويتطلب منا الانحياز لموريتانيا الموحدة والمستقلة و المستقرة وضع النقاط على الحروف ومخاطبة الجميع بصدق وأمانة بحثا عن مخرج لأزمتنا الحالية ومحاولة للخروج من نفقها المظلم)

"ثوار" موريتانيا.. كانوا أحرص الناس على حياة/ سيدى محمد ابه

altاستسمحكم فأنا مضطر للمغادرة لعيادة جرحى المنسقية" كلمات "خالدة" لأحد قادة المعارضة "الثائرين" لحظات بعد تدخل قوى الأمن ليلة فض الاعتصام الأول قرب مسجد ابن عباس.. في صباح اليوم الموالي اكتشف المعتصمون أن رئيسهم "الثوري" كان يريد مغادرة المكان فقط، فقد وصل وحيدا إلى المستشفى وقبل وصول الجرحى المزعومين.. هي إذن أفضل الطرق للهروب من المواجهة..

مواضيع مشابهة:

آخر التعليقات

  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    نثمن عاليامجهودات القائمين على موقع التيسير الثقافي المبارك ونلتمس منهم الإسراع في نشر الحلقات المتبقية من هذا الكتاب الجيد الذي كانت الساحة العلمية والثقافية في أمس الحاجة اليه وشكرا جزيلا
    بواسطة محمد
  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    جزاكم الله خيرا علي نشركم لهذالبحث الذي هو حقا فضل من الله تعالي علي هذه الامة المباركة وأطلب من المؤلف أن يهدي منه نسخة (...) لعلي الله أن يهديه بها ان هو طالعها وجزي الله المؤلف كل خير علي هذالعمل الذي ادخره الله له ليكون نبراسا للطيبين ودامغا للمرجفين وحجة في التوسل بجاه سيد الاولين والاخرين
    بواسطة الحاجي
  • السلفيون في تونس / محمد كريشان...
    لا أدري سبب عدم نشر مقالات الكاتب مصطفى قطبي فقد كنا ننتظرها بفارغ الصبر.ونأمل من إدارة التيسير أن تنشر جديد الكاتب لأهمية الحمولة الفكرية والثقافية التي تتميز بها كتاباته ودراساته.
    بواسطة الشيخ مختار الحاتمي