alt  في عصرنا الذي نعيش، بلغت الالتهابات الأخلاقية حدّ الوباء أو الجائحة، لم يعد عمى الألوان مقتصراً في نظر من أصيب بالمرض على أطياف اللون بالمعنى الحقيقي للمفردة والمتعارف عليها بين بني البشر، بل شمل أيضاً بعماه أطياف اللون السياسي والاجتماعي وكل ما له علاقة بحياة الناس، بحيث اختلطت الأمور إلى الدرجة التي دخل فيها كل شيء مرحلة الاحتجاج والفوضى التي تعكس بلوغ الوضع العام حالة عدم الرضا عن ما يجري في المجتمع، وهو ما بدأت آثاره السلبية بالظهور في مجتمعنا على نحو لا يمكن تجاهله، حتى من قبل من أصيب بالحَول (بفتح الحاء).

كيف نؤلف وقتاً ليس متواطئاً مع استهلاكية الحواس والأخلاق المتقهقرة والأفكار والعلاقات اليومية والسلوك ؟ وكيف نحمي الوجود الإنساني من البطالة الوجدانية؟ العلاقات المتهالكة تحت ضغط الفقر الروحي، تشبه الفواكه المهترئة المتروكة عند أبواب الدكاكين... والسلوك المصاب بالفلتان الإنساني كالطفح الجلدي...‏ الأمر صعب لأن بطالة الوجدان أصعب أنواع البطالة...‏ لقمة العيش لها وقع سحري على سمع الأيام والحياة، لكن لقمة الوجدان أمر وأقسى... وجوع الكرامة أشرس جوع عرفته الإنسانية المعاصرة... في القديم كانت الكرامة تجوع وتدافع عن جوعها بأساليب واضحة... اليوم جوع الكرامة ملغم والكشف عنه له أساليب وابتكارات... الكرامة حين تجوع كثيراً، تأكل نفسها ويصير الخلق فقراء كرامة...‏ وفي سياق هذا الوجع الوجداني الذي يعانيه وجدان الإنسان العربي (العاطل أو المعطل) يأتي وقت آخر شقيق هو وقت استقالة القناعات المصدقة وتوقفها عن الدوام اليومي... حتى القناعات العفوية التي لم تصدق بعد، انقطعت عن مواصلة اهتماماتها وهمومها وحضور الحفلات والأعراس واللقاءات العائلية والاجتماعية والرسمية... كرامة تأكل الكرامة وبطالة تصدم الوجدان والقناعات؟!.‏ أغلب الوجدان دهمته ودهسته عجلات المكر الاجتماعي والقناعات الاستهلاكية والأخلاق المستعملة...‏ والمسؤولون العديدون منهم يحبذون الأخلاق المستعملة ولعلهم يعطلون وجداناتهم أو يستعيرون خبرة وجدانات مستقيلة ومصابة بالعطالة والبطالة... ولا يعنيهم أن قناعاتهم الإنسانية فاقدة للصلاحية والتوازن الإداري والعقلي والعاطفي والعائلي والعلمي...‏ تغيب قناعاتهم وتنقطع عن الدوام بإجازة أو دون إجازة ولا يقلقون وأحياناً تصير إلى دور الأيتام والمصحات العقليّة ولا يقلقون...‏ لأن لديهم قناعات بديلة تصلح للاستخدام المؤقت مثل صحون الكرتون والبلاستيك... ونرى هؤلاء عند كل حالة ومفترق وجدان يستخدمون قناعات مختلفة، ثمّ يبدّ لونها في مكان آخر وعند حالة أخرى ومفترق وجداني آخر...‏ مفترقات. وجدانات المسؤولين المستقيلة إنسانيتهم وقناعاتهم الإنسانية الراقية قلقة ومضطربة وتؤدي إلى الأودية الموحشة وصخب الحواس والبطالة الوجدانية... وقوانين الوجدان خاصة جداً وتتحدث من الوجدان ذاته...‏ كيف تعود القناعات الراقية إلى وظيفتها؟.‏ وكيف ينتعش الوجدان الراقي بعد طول انقطاع عن مزاولة العيش والحياة؟ فالحضارة المعاصرة، رغم كثافة ابتكاراتها واكتشافاتها لم تصل بعد إلى حسّاسّات كاشفة تفحص نقص القناعات الوطنية الجيدة عند المسؤولين واختلالات الوجدان وتصدعاته...‏ اللقمة الجهنمية وهمجية الاستهلاك وتضخم النجاحات الملغمة المعادية لقناعات العيش الكريم والكرامة النضرة غير الجائعة، وتشوهات الأخلاق الولادية مثل شلل الأطفال والأمراض السارية... مساهمات وماركات مسجلة ابتكرت زمناً متواطئاً مع قناعات التواطؤ والدناءات والانحطاط...‏ حتى صار الانحطاط ميزة ورغبة ونجاحاً عند الكثيرين والكثيرات...‏ كم ينحط هذا المسؤول وكم يقدر هذا المقبل على المسؤولية أن ينحط؟! أسئلة برسم عافية القناعات وصحة الوجدان ويوميات الناس المخلصين لهواياتهم الإنسانية كالصدق والوفاء والعطاء وحقائق النفس والمساواة وفضائل الحب.‏ في الزمن التائه عن الوجدان والقناعات الجيدة، وفي الزمن الذي يوافق إنسانه على استقالة وجداناته وقناعاته يحصل انحطاط كثير ويتقاعد ازدهار الحب البشري والعلاقات الإدارية الراقية والعلاقات الحياتية القابلة للحياة، ويشعر الانحطاط بالتخمة والبطر، ويشعر الازدهار بالتعب والعيب؟!.‏ الأمل طيب وحنون أن ترجع القناعات الجيدة إلى وظيفتها ودوامها اليومي وأن يعود الوجدان الجميل إلى مزاولة اهتماماته وهمومه وحياته التي تستحق الرعاية والألفة والشجاعة.‏ الوطن يشبه قناعات أهله، ووجدانهم يزدهر كازدهار القناعات ويتوقف عن الحياة بتوقفها وحين يستقيل الوجدان وينقطع عن دوامه ووظيفته يصير الوطن (عاطلاً معطلاً) ويستقيل من مهنة الازدهار... ويتقاعد الحب الوطني قبل السن القانونية أو يفكر بالانزواء...‏ الانحطاط مهنة رديئة وسيئة ولا ينبغي الاحتفاظ بها والرغبة بمزاولتها، كل وجدان ينقصه ازدهاره وعليه أن يعود إلى وظيفته ودوامه، والقناعات الراقية يحق لها معاودة الدوام، نحتاج إمضاءات القناعات كل يوم مثل وظيفة المدرسة...‏ والمسؤولون رعاهم القدر... يحق لهم القناعات الراقية والوجدان الوطني النبيل بدلاً عن القناعات النفعية التي أغرقت الوجدان بالمصالح الذاتية والعلاقات المؤقتة والدارجة...‏ والأخلاق المستعملة جداً والمستهلكة من كثرة استخدامها لأغراض لا تخدم الألفة والعلاقات الراقية...‏ يمكن للوجدان العودة إلى دوامه دون معاملات إدارية ملتوية وشاقة، ويمكن للقناعات الأصيلة والناجحة في امتحانات الرّقي الوطني إلغاء الاستقالة والدوام من غير موافقات أصولاً أو إجراء اللازم...‏ فالوطن جميل يستحق وجداناً جميلاً وقناعات جميلة لا تستعمل لمرة واحدة ثم تستبدل.‏

 

مواضيع مشابهة:

التعليقات  

 
0 #1 عبد الحفيظ الجباري 2011-09-29 18:35
إن المتأمل للمقال يلاحظ أن هذا المقال تفصيل مقاس على الدول العربية والإسلامية.فحيثما تغيب القناعات يتبلد الوجدان ويصاب بالتحجر،وتصبح الكرامة بطالة والبطالة عطالة.هذه النتيجة تنتج فقاعات كالصابون وللأسف هي التي نجدها في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية،هي التي تدير أمور العباد بمنطق الضيعة والوراثة.
اقتباس
 
 
0 #2 الدغمس ولد حكدي 2011-11-13 02:59
من الواضح الجلي أن القناعات تفقد روحها وتتنصل من وجدانها عندما تغيب الأخلاق.فلا حياة لأمة فقدت أخلاقها ووجدانها.
اقتباس
 

اضف تعليق


Security code
اعادة تنشيط

آراء حرة

شكرا لمدير تلفزيون الأغلبية / محمد الأمين ولد الفاضل

altلم أكن أتوقع أن مدير التلفزيون الحالي سيصر على احتجاز الحلقة الثانية من برنامجي "خطوة إلى القمة"، وهو البرنامج الذي بذلت وقتا وجهدا كبيرا من أجل إعداده، وذلك حتى أقدم مادة مفيدة لجمهور طويل وعريض طالما انتظر أن تقدم له "تلفزيونه" شيئا مفيدا.

مواضيع مشابهة:

ردا على ولد سيدي مولود - الإلزامات والتتبع (2)/ محمد الأمين محمد المختار

من الضروري ابتداءً أن أبدي الاعتذار للقراء الكرام الذين سألوا عن الحلقة الثانية من هذا المقال، حيث كنت على جناح سفر مفاجئ، أبعدني عن عالم الشبكة العنكبوتية.

لقد رأينا في القسم الأول من هذا الرد، كيف يقع الكاتب في مطبات تُلزمه بمواقف لو صرح بها لانتقض بناؤه وخر ركاماً، مع أن من يتابع أفكاره المبثوثة في مختلِف مقالاته لا يستغرب منه أن يلتزم بتلك الإلزامات، بعد أن يسبغ عليها لبوساً من "زخرف القول وسحر البيان".

مواضيع مشابهة:

درس في النحو السياسي..!!

altفي عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.

مواضيع مشابهة:

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية / حبيب الله ولد أحمد

altحتى لا تغرق السفينة..!!

(من المخجل أن نتفرج على وطننا الحبيب صريعا تحت أقدام نظام لا يريد أكثر من البقاء في السلطة بأي ثمن ومعارضة لا تريد سوى الوصول إليها بأي ثمن... ويتطلب منا الانحياز لموريتانيا الموحدة والمستقلة و المستقرة وضع النقاط على الحروف ومخاطبة الجميع بصدق وأمانة بحثا عن مخرج لأزمتنا الحالية ومحاولة للخروج من نفقها المظلم)

"ثوار" موريتانيا.. كانوا أحرص الناس على حياة/ سيدى محمد ابه

altاستسمحكم فأنا مضطر للمغادرة لعيادة جرحى المنسقية" كلمات "خالدة" لأحد قادة المعارضة "الثائرين" لحظات بعد تدخل قوى الأمن ليلة فض الاعتصام الأول قرب مسجد ابن عباس.. في صباح اليوم الموالي اكتشف المعتصمون أن رئيسهم "الثوري" كان يريد مغادرة المكان فقط، فقد وصل وحيدا إلى المستشفى وقبل وصول الجرحى المزعومين.. هي إذن أفضل الطرق للهروب من المواجهة..

مواضيع مشابهة:

آخر التعليقات

  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    نثمن عاليامجهودات القائمين على موقع التيسير الثقافي المبارك ونلتمس منهم الإسراع في نشر الحلقات المتبقية من هذا الكتاب الجيد الذي كانت الساحة العلمية والثقافية في أمس الحاجة اليه وشكرا جزيلا
    بواسطة محمد
  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    جزاكم الله خيرا علي نشركم لهذالبحث الذي هو حقا فضل من الله تعالي علي هذه الامة المباركة وأطلب من المؤلف أن يهدي منه نسخة (...) لعلي الله أن يهديه بها ان هو طالعها وجزي الله المؤلف كل خير علي هذالعمل الذي ادخره الله له ليكون نبراسا للطيبين ودامغا للمرجفين وحجة في التوسل بجاه سيد الاولين والاخرين
    بواسطة الحاجي
  • السلفيون في تونس / محمد كريشان...
    لا أدري سبب عدم نشر مقالات الكاتب مصطفى قطبي فقد كنا ننتظرها بفارغ الصبر.ونأمل من إدارة التيسير أن تنشر جديد الكاتب لأهمية الحمولة الفكرية والثقافية التي تتميز بها كتاباته ودراساته.
    بواسطة الشيخ مختار الحاتمي