الاحد 24 كانون الثاني (يناير) 2010

 

الأدب الفارسي والحاجة إلى الترجمة : من خلال كتاب "الأدب الفارسي منذ عصر الجامي وحتى يومنا" :

هل نحن في حاجة إلى الاطلاع على ما ينتج من أدب وفكر في إيران؟ أم أن هذه الحاجة تصطدم بالعديد من العراقيل أهمها الصراع المذهبي والعرقي بين العرب والفرس منذ زمان ليس بالقصير؟. وهل يوجد بالأدب الإيراني الفارسي ما يمكنه أن يعرفنا أكثر على حياة هذا المجتمع وثقافته وطريقة تفكيره وممارساته الحياتية والاجتماعية؟ أم أن كل هذه الادعاءات باطلة لا أساس لها بحكم أن صراعا مذهبيا وعرقيا صار هو الغالب على العلاقة التي تربطنا بهم؟ . لقد أصبح من الواجب على المثقف العربي اليوم والمترجم خاصة أن يسبر أغوار هذا الأدب الراقي والرفيع الذي يضم العديد من المبدعين الكبار الذين تركوا بصماتهم الأدبية والفكرية كتراث فارسي وإيراني يصل إلى حدود العالمية لما فيه من إبداعية متميزة وساحرة. وليس من الحكمة في شيء أن نتبنى بعض الدعوات المتطرفة التي ترى إلى كل الإيرانيين وكل ما يمثلهم على أنه يعادينا ويعادي مذهبنا السني بحكم أننا نتشارك نفس الدين ونختلف في المذهب فقط. وهذه لعمري دعوة باطلة تستحق الإقبار بحكم أننا أمة علم وبحث وتبادل ثقافي . فضرورة ترجمة الأدب الفارسي عموما تحتم علينا اليوم البحث عن نوادر هذا الأدب وتقديمه إلى قراء العربية لتقريب الهوة التي توجد بين الشعوب العربية وبين الشعب الإيراني اليوم. فكل تلك الادعاءات والمقولات والدعوات التي كانت تدعو إلأى التنافر بينهما والتباعد وتخفي حقيقة الاتصال الديني والثقافي والاجتماعي أصبحت اليوم كذبة واضحة لا يمكن تصديقها يريد البعض أن يبقي على رواجها بين الناس لتحقيق أهدافه المدمرة. ولذلك فكل مبادرة إلى ترجمة الأدب الفارسي ترجمة مستوفية الشروط هي مبادرة تستحق التنويه والتشجيع المتواصل .

يعتبر كتاب "الأدب الفارسي منذ عصر الجامي وحتى يومنا" من تأليف الشاعر المبدع الدكتور محمد رضا شفيعي كدكني وترجمة الدكتور بسام ربابعة كتابا شاملا ويمثل بالفعل إحاطة شاملة لشعراء ومبدعين فارسيين منذ عصر الجامي إلى يومنا هذا، وتمكن من خلاله مؤلفه من تحديد كل الاتجاهات الأدبية شعريا وسرديا ومسرحيا التي كان يمثلها كل مبدع من المبدعين الفرس انطلاقا من العصر التيموري الذي تميز بالألغاز والتصنع والتكرار في الأدب الشعري إلى يومنا .

ويعتبر عبد الرحمن الجامي الشاعر الكبير الذي لم يستطع الشعر الفارسي –حسب المؤلف- أن ينجب شخصية بارزة تضاهيه في عهد شاهرخ ابن تيمورلنك، بحيث عدٌ بعض النقاد المعاصرين أن النصف الأول من القرن 15 بداية الانحطاط في تاريخ الأدب الفارسي، ويذكر لنا المؤلف من شعراء هذه الفترة: الشيخ آدري الطوسي، وخيالي البخاري، وابن حسام، وأمير شاهي السبزواري، وعصمت البخاري، وكاتبي الترشيزي، وشاه نعمة الله النيسابوري، ... والذين لا يتمتع شعرهم بأي قيمة فنية خاصة في معاييرنا المعاصرة. بينما –يقول المؤلف- أن هناك نماذج تحتذى عند شعراء هذا العصر منهم: حافظ الشيرازي، وأمير خسرو الدهلوي، وسلمان الساوجي، وحسن الدهلوي، وجلال الدين المولويالرومي .

ومما يلفت الانتباه هو أن النقد الإيراني ليس له تاريخ مكتوب بوضوح يجعلنا نؤمن إيمانا قاطعا بتميز تجربة شعرية على أخرى. فما هو كائن هو النقد الشفهي التقليدي. وإذا ما عدنا إلى الشاعر عبدالرحمن الجامي الذي يعتبر بحق الشاعر المتميز في عصره وما بعده فإن له آثارا متميزة نذكر منها : سلسلة الذهب، وسلامان وابسال، وتحفة الأحرار، وسبحة الأبرار، يوسف وزليخا، ليلى والمجنون، فردنامه إسكندري(الحكمة السكندرية) وهي سبع منظومات عدها النقاد أفضل من ديوان قصائده وغزلياته .

إن ظهور الأسرة الصفوية (1486 – 1724) من أهم الحوادث في تاريخ إيران الذي يمتد آلافا من السنين يقول المؤلف، بل إن الحكومة الصفوية أعظم حكومة إيرانية بعد الإسلام. حيث أن جل الآداب التي كانت تكتب في العصر الصفوي من شعر ونثر كان يكتب باللغة الفارسية باستثناء بعض الأشعار التي كتبت باللغة التركية يذكر لنا المؤلف من بينها أشعار الملك إسماعيل الصفوي (1484 – 1509). وعرف الشعر الفارسي في هذا العصر بالأسلوب الواقعي الذي اعتمد على تجارب الحياة العادية واليومية التي تحولت إلى الصورة النمطية للذات والإنسان ونجد في هذا العصر الشاعر فرخي السيستاني الذي أخذ شعره الواقعية كأسلوب للانتشار. ونجد أيضا في هذا الجانب شعراء آخرين تميزوا في هذا الأسلوب وهم: لساني الشيرازي، وشرف جهان القزويني، وضميري الأصفهاني، ومايلي الهروي، ومحتشم الكاشاني، ووحشي البافقي، وحالتي التركماني، وشاه التكلو، ووقوعي التبريزي، ونقي الكرئي، وولي دشت البياضي .

ولا يمكن الحديث عن العصر الصفوي إلا الاهتمام بالأسلوب الهندي في الشعر الذي تقدم في مجال الفكر والمضمون، حيث راج هذا الأسلوب إلى أواسط القرن الثامن عشر للميلاد في جميع الأقاليم الناطقة بالفارسية. وتميز فيه العديد من الشعراء الكبار .

إن كتابا كهذا يعتبر بحق كتابا شاملا وببليوغرافيا اهتمت بالأدب الفارسي على مدى قرون وقدمها المترجم إلى قراء العربية ليفيدوا من أفكار ومعلومات ويتعرفوا على أسماء أدباء فارسيين كبار أغنوا الساحة الأدبية في بلادهم بروائع الشعر والنثر وكل صنوف الآداب الأخرى. فقراءة هذا الكتاب تجعل القاريء يدرك مدى الجهل الذي كان عليه تجاه الأدب الفارسي الذي تميز بأسلوب ورؤى مختلفة وجميلة قادرة على منافسة آداب الآخرين في هذا العالم .

وإذا ما رجعنا إلى عصر الحركة الدستورية فإننا نجد أن المؤلف قد نقل إلينا رؤية شاملة عن هذا العصر الذي تميز بكتابة أدب الحياة والناس الأقرب إلى الواقعية وإلى القضايا التي تهم الناس داخل المجتمع من قضايا وطنية وسياسية ودينية واجتماعية واقتصادية وثقافية. فراجت فكرة الحرية والمطالبة بها وتبنيها أدبيا وسياسيا، ونجد من الشعراء الذين تميزوا في هذا العصر: قائم مقام الفراهاني، والميرزا آقاخاذ الكرماني، وآخونذ زادة،... وغيرهم كثيرون. وما يمكن قوله -حسب المؤلف دائما- هو أن هذا العصر قد تميز بالحركة والنشاط والحيوية والقوة، حتى أنه لم يترك مكانا للصور الشعرية .

ظهرت الرومانسية كتيار شعري في الشعر الفارسي بعد ظهور شعر نيما الذي كان مقارنا لشهر ديسمبر 1941م. ونجد من الشخصيات المرموقة في هذا النوع من الشعر : برويز خانلري، وفريدون توللي، وكلجين الكيلاني، ونادر نادر بور. ومن القواعد التي يطرحها هذا التيار الشعري نجد التناسب الدقيق للأوزان والحالات الشعرية وجدة المضامين والتشبيهات والاستعارات وعدم تقييد المتكلم باستعمال المحسنات اللفظية والامتناع عن الإخلال بوزن الشعر ولو بوقفة بسيطة والابتعاد عن استخدام القوافي والردائف الصعبة إضافة إلى الامتناع عن الحشو والغث في البحور ... وغيرها من القواعد التي ميزت هذا التيار الشعري الجميل بعد الحرب العالمية الثانية حسب المؤلف نفسه .

لا يمكن اعتبار القصة بمعناها الجديد والحديث من الجنس الأدبي الذي له تاريخ طويل في إيران وفي الأدب الفارسي عموما كما يقول المؤلف. فرواج القصة والمسرح في الأدب الفارسي بمفهوم الأدب الجديد لم يكن إلا في العصر الدستوري إثر التطورات التي حدثت في المجتمع الفارسي في هذه الحقبة بالذات. فبدأت الكتابة القصصية على شكل الرواية التاريخية التي نذكر من كتابها : موسى النثري، وصنعتي زاده الكرماني. ثم ظهرت بعد ذلك أول مجموعة قصصية في إيران لكاتب محمد علي جمال زاده بعنوان "كان يا ما كان" التي نشرها ببرلين سنة 1922م. فتعددت بعده العناوين سواء كانت من إنتاجه هو أو من إنتاج كتاب آخرين تميزوا في هذا الجنس الأدبي ونذكر منهم على الخصوص : صادق هدايت ، وبرزك علوي، وعلي دستي، ومحمد حجازي....

وما يمكن قوله عن المسرح الإيراني فقد عرف تطورا كيرا حيث تمكن المؤلف محمد رضا شفيعي كدكني من تحديد المسار الزمني الذي قطعه هذا النوع الأدبي الراقي، انطلاقا من محاكاة المسرح الفارسي للمسرح الأوربي إلى مرحلة بناء مسرح وطني ذو هوية إيرانية محضة، خاصة وأن المسرح الإيراني عرف العديد من المشاكل وابتلي بالعديد من المعضلات بعد انقلاب 1953م، والتي كانت المحفز القوي له لإعادة البروز والتميز ونذكر من الكتاب المسرحيين الذين أبدعوا فيه وتركوا بصماتهم القوية في هذا النوع الأدبي : الدكتور غلام حسين ساعدي، والدكتور بهرام بيضائي، وأكبر رادي ....

عزيز العرباوي

كاتب من المغرب

هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.

مواضيع مشابهة:

اضف تعليق


Security code
اعادة تنشيط

آراء حرة

شكرا لمدير تلفزيون الأغلبية / محمد الأمين ولد الفاضل

altلم أكن أتوقع أن مدير التلفزيون الحالي سيصر على احتجاز الحلقة الثانية من برنامجي "خطوة إلى القمة"، وهو البرنامج الذي بذلت وقتا وجهدا كبيرا من أجل إعداده، وذلك حتى أقدم مادة مفيدة لجمهور طويل وعريض طالما انتظر أن تقدم له "تلفزيونه" شيئا مفيدا.

مواضيع مشابهة:

ردا على ولد سيدي مولود - الإلزامات والتتبع (2)/ محمد الأمين محمد المختار

من الضروري ابتداءً أن أبدي الاعتذار للقراء الكرام الذين سألوا عن الحلقة الثانية من هذا المقال، حيث كنت على جناح سفر مفاجئ، أبعدني عن عالم الشبكة العنكبوتية.

لقد رأينا في القسم الأول من هذا الرد، كيف يقع الكاتب في مطبات تُلزمه بمواقف لو صرح بها لانتقض بناؤه وخر ركاماً، مع أن من يتابع أفكاره المبثوثة في مختلِف مقالاته لا يستغرب منه أن يلتزم بتلك الإلزامات، بعد أن يسبغ عليها لبوساً من "زخرف القول وسحر البيان".

مواضيع مشابهة:

درس في النحو السياسي..!!

altفي عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.

مواضيع مشابهة:

رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية / حبيب الله ولد أحمد

altحتى لا تغرق السفينة..!!

(من المخجل أن نتفرج على وطننا الحبيب صريعا تحت أقدام نظام لا يريد أكثر من البقاء في السلطة بأي ثمن ومعارضة لا تريد سوى الوصول إليها بأي ثمن... ويتطلب منا الانحياز لموريتانيا الموحدة والمستقلة و المستقرة وضع النقاط على الحروف ومخاطبة الجميع بصدق وأمانة بحثا عن مخرج لأزمتنا الحالية ومحاولة للخروج من نفقها المظلم)

"ثوار" موريتانيا.. كانوا أحرص الناس على حياة/ سيدى محمد ابه

altاستسمحكم فأنا مضطر للمغادرة لعيادة جرحى المنسقية" كلمات "خالدة" لأحد قادة المعارضة "الثائرين" لحظات بعد تدخل قوى الأمن ليلة فض الاعتصام الأول قرب مسجد ابن عباس.. في صباح اليوم الموالي اكتشف المعتصمون أن رئيسهم "الثوري" كان يريد مغادرة المكان فقط، فقد وصل وحيدا إلى المستشفى وقبل وصول الجرحى المزعومين.. هي إذن أفضل الطرق للهروب من المواجهة..

مواضيع مشابهة:

آخر التعليقات

  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    نثمن عاليامجهودات القائمين على موقع التيسير الثقافي المبارك ونلتمس منهم الإسراع في نشر الحلقات المتبقية من هذا الكتاب الجيد الذي كانت الساحة العلمية والثقافية في أمس الحاجة اليه وشكرا جزيلا
    بواسطة محمد
  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    جزاكم الله خيرا علي نشركم لهذالبحث الذي هو حقا فضل من الله تعالي علي هذه الامة المباركة وأطلب من المؤلف أن يهدي منه نسخة (...) لعلي الله أن يهديه بها ان هو طالعها وجزي الله المؤلف كل خير علي هذالعمل الذي ادخره الله له ليكون نبراسا للطيبين ودامغا للمرجفين وحجة في التوسل بجاه سيد الاولين والاخرين
    بواسطة الحاجي
  • السلفيون في تونس / محمد كريشان...
    لا أدري سبب عدم نشر مقالات الكاتب مصطفى قطبي فقد كنا ننتظرها بفارغ الصبر.ونأمل من إدارة التيسير أن تنشر جديد الكاتب لأهمية الحمولة الفكرية والثقافية التي تتميز بها كتاباته ودراساته.
    بواسطة الشيخ مختار الحاتمي