23 تشرين2/نوفمبر 2011
سيكون على صديقنا بيرام ولد الداه ولد اعبيدى وجماعته أن يتحركوا بسرعة لتحرير الفضاء السمعي البصري، خاصة وأنهم حققوا بعض النجاح في تحرير أرقاء سابقين، وتدخلوا أحيانا – بدلا من الدولة- لتطبيق القوانين المعطلة بشأن مكافحة العبودية ودمج الأرقاء السابقين و(اللاحقين) في الحياة النشطة.
الأمر بسيط للغاية، فعجز "الهابا" عن فهم آليات تحرير الفضاء السمعي البصري، وضعفها الوراثي في التعاطي مع ملف بذلك الحجم، مع قلة حيلتها وهوانها على الإكراهات العديدة التي ووجهت بها من طرف الذين تأتمر بأمرهم، يعطى مناضلي "إيرا" فرصة ذهبية للتحرك، فـ"الفضاء" ما زال عبدا مملوكا، ولم يستطع الهرب من أسياده، وواجب بيرام وجماعته يتطلب يقينا التحسيس بقضيته، والاعتصام أمام مفوضية القصر (بصاد"مهملة" غير مشددة هذه المرة فالتشديد عندها متروك فقط للاجراءات الأمنية)... بل يمكن أيضا نقل قضية "الفضاء" المستعبد إلى "جنيف" و"بروكسيل" للبحث عن تمويلات للجهود الخاصة بتحريره، وقد تقتضى الأمانة (إذا كانت ضرورية) القول للنصارى بأن الجميع ساهم فى استعباد الفضاء السمعي البصري "الأقلية العربية البربرية" (أو البربرية العربية) بسودها وبيضها، و"الأقلية الزنجية" (بجميع تفريعاتها) بل حتى الأجانب والمقيمون (طبعا في موريتانيا لا توجد أكثرية فالكل عبارة عن أقليات مضطهدة لكل منها مأساتها الخاصة بها)!!.
ليس صديقنا بيرام بحاجة لأدلة على أن الفضاء السمعي البصري مستعبد، وتمارس ضده كل أنواع الاستغلال، والأبشع من كل ذلك أنه لم يجد أما تتبناه، ولا أبا يلحقه بنسبه، ولا حتى علماء من العرب أو البربر أو الزنوج يعطون فتوى نهائية بشأنه للتأكد من قابليته للزواج والإنجاب والطهارة والشهادة والإمامة و"الفتوة"، فـ"الهابا، تهربت عمليا من تبنيه، والدولة غير معنية بالتكفل به، أو متابعة حالته وكأنها لا تعرف منه إلا مجرد اسم منطوق بلا مسمى.
من الواضح أن تحرير الفضاء لا يمكن أن يترك لـ"ايرا" وحدها، فلديها نضالات قد تشغلها عنه، فحتى الذين سيذهبون للبكاء في "إينال" مطالبون بالبكاء على الفضاء وبدموع حقيقية (لاتنشفها المناديل المعطرة للسفارات الغربية) والمنظمات الأجنبية، وعلى جمعية "أًصحاب المظالم" التي ولدت حديثا أن تضيف الفضاء للائحتها ،فهو ربما صاحب أكبر مظلومية على الإطلاق بعد "الإمام الحسين" و"السيدة فاطمة" لدى الشيعة.
لو أن الدولة جادة في شعاراتها لطلبنا منها أن تنبش سجن "الفضاء" (أو قبره إذا كان مقبورا) وتحقق في ظروف اختفائه وأسباب استرقاقه أصلا.
وحده الفضاء لا يمكن له تحرير نفسه...الإنسان المظلوم المستعبد قد يهرب من أسياده طلبا للحرية الجسدية على الأقل...ووجه الشبه الوحيد بين الفضاء السمعي والبشر المستعبدين هو أن الحرية التي قد يجدونها فى بلادنا هي "حرية جسدية" ناقصة، فهي غير مرفوقة بوسائل للحياة الكريمة، وهذا ربما هو ما يجعل بعض الأرقاء السابقين يرى في حرية جسدية بائسة استعبادا ماديا ومعنويا من نوع جديد، يخلف فى النفس والقلب والضمير جراحا لا تندمل، لأن حرية جسدية (يابسة) لا تسمن ولا تغنى من جوع، فالعبيد الخارجون للتو من جحيم العبودية بحاجة لجهاز استقبال حقيقي، يعالج جراح سنوات الحرمان، ويضمن السكن والصحة والتعليم، ويمسح عنهم غبار سنوات الظلم والنسيان (في الكثير من المجتمعات لا تفرق بين السادة وعبيدهم فالفقر يطحن الجميع والعبودية للسياسات الاقتصادية العرجاء سكين يتساوى تحت حدها الجميع) ... وفى حالة الفضاء السمعي البصري فإن إطلاق الحرية والتراخيص لا يعنى توفير تمويل واضح وشفاف ومحترم ومتساو للوسائط الإعلامية المرخص لها، وبالتالي فهي مثل حريتها تولد ميتة..!!
الأسوأ في الفضاء السمعي في حالة تحريره هو الحكم على الصحفيين بالتبعية لـ"بارونات" المال والأمن والسياسة، إذ أننا لا نعرف صحفيا حقيقيا (دعونا من المخبرين والجواسيس والعسس) لديه القدرة على تمويل جريدة أسبوعية، وبالتالي فالترخيص للصحفيين يلزمهم ضمنيا بالتسليم بأنه "لا ملجأ لهم من النظام إلا إليه" ولا مفر لهم من الارتماء فى أحد أذرعته الأخطبوطية سياسيا واقتصاديا و اجتماعيا وأمنيا لتفعيل تراخيصهم، أو الارتماء في أحضان جهات تمويل محلية أو أجنبية لديها أجنداتها الخاصة بها بحسب قربها من النظام القائم أو خصومه هنا أوهناك..!! ( بعض الحاصلين على التراخيص فهم اللعبة وقتل "القطة" في الليلة الأولى)..!!
لابد إذن من التحرك العاجل لتحرير الفضاء السمعي البصري من الدولة و"الهابا " و"المافيات" الاستخباراتية النافذة التي نالت نصيب "الأسد" من التراخيص.
لسنا بحاجة للقول إن مؤسسات من قبيل "صحراميديا" (منحوها إذاعة ومنعوها قناة تلفزيونية) و"السراج"، و"مجموعة شنقيط" تستحق الحصول على التراخيص بحكم الأقدمية والانتشار والتجربة الميدانية الطويلة والإمكانيات اللوجستية والطواقم الشبابية المتحمسة، بغض النظر عن "الجغرافيا السياسية" محليا واقليميا لكل واحدة منها، كما أننا لسنا بحاجة للقول إن صحفيين قدماء ومعروفين من قبيل اباه ولد السالك وباباه سيدي عبد الله وعبد الله محمدي يستحقون التراخيص التي حصلوا عليها، بغض النظر- بطبيعة الحال- عن ارتباطهم بهذه الجهة المحلية أو الأجنبية أو تلك.
ولا يمكن هنا أن نضع اللوم على "الهابا" فهي هيئة ميتة سريريا، تتلقى الأوامر من الجالسين فوقها وفوقنا، وهي أقل وأذل من أن تفهم ما الذي يعنيه تحرير الفضاء السمعي البصري، أو المضي قدما في استعباده... لم تحرر نفسها أولا، وبالتالي فليس من الأخلاقي مطالبتها بتحرير أي شيء ،إلا إذا تعلق الأمر بمحاضر ورسائل (لاسلكية) وقرارات جاهزة (مع خدمة التوصيل) وتقارير (ترددية) يتم رفعها يوميا للجهات الوصية !!.

في عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.