altامتلأت المواقع "الألكترونية" وصفحات الصحف المستقلة خلال الأيام الماضية، بالحديث عن الثورة، وإرهاصاتها، ومبررات اندلاعها في موريتانيا.. كتب كثيرون بأقلامهم وأسهبوا في التنظير لـ"ربيع" موريتاني تأخر أكثر من اللازم، وذهب بعضهم إلى إطلاق صافرة البداية، عبر حديثه- المنشور في أكثر من موقع- عن روافع الثورة، ونقاط ضعف النظام وقوته، وضرورة التحالف بين "الشباب، ولحراطين، والإسلاميين.. إلخ".

لكن الأكثر لفتا للانتباه كان حديث بعض العلماء "المتأخر" عن الثورات، وجواز الخروج، ورد الظلم بالتغيير الذي يناسب حجمه، ومحاولة إقناع البعض بأن الاسلاميين أفضل من الإستبداد.. إلخ

والواقع أن مثل هذا الحديث في هذا التوقيت بالذات يستلزم وضع جملة من علامات الاستفهام الكبيرة جدا حوله، وهنا يجدر التنبيه إلى جملة من الحقائق التي لابد من الوقوف عندها، قبل أن تندلع الفوضى التي يبشر بها هؤلاء...

القياس مع وجود الفارق

من الأخطاء التي وقع فيه دعاة "الثورة" إسقاط الحالة المصرية أو الليبية أو التونسية على موريتانيا، وهو قياس مع وجود الفارق، فطبيعة المجتمع الموريتاني، وتاريخه السياسي، يختلف جذريا عن أشقائه في هذه الدول، وبالتالي فإن مطالب "الثوار" في مصر، والمتمثلة في التناوب، وإطلاق الحريات، وتحرير سجناء الرأي، لا مبرر لها في موريتانيا، وكذلك الحال في تونس، أما الحالة الليبية فتختلف عن الإثنتين لكون العامل الخارجي فيها كان المحرك والفاعل والحاسم في النهاية.

ومن نافلة القول إن هذه المطالب غير مطروحة في موريتانيا بتاتا، والذين يتحدثون عنها إنما يغردون خارج السرب، ولايخلو حديثهم من مزايدات وقفز على الواقع، فخلال السنوات الست الماضية توالى على حكم البلاد أربعة رؤساء، وهو رقم غير مسبوق في التاريخ، كما أن مجال الحريات العامة مفتوح بدون حدود، والتشريعات التي صدرت أخيرا بخصوص إلغاء عقوبة السجن في جرائم النشر، تكفي للاستدلال على ذلك، كما أنه لايوجد سجين رأي واحد اليوم في البلاد.. ثم إن السلطة الحاكمة الآن جاءت عبر انتخابات اعترف بنتائجها الجميع.

إذن ما الذي يريده دعاة "الثورة" اليوم؟

أذهان مشوشة

بالنسبة للكثير من المتابعين فإن تيار الإخوان المسلمين في موريتانيا- وهو الأكثر تحمسا للثورة الآن- أصيب بتشويش في الذهن بعد "فوز" الإخوان في مصر وتونس والمغرب بأكثر من ثلث مقاعد البرلمان في هذه الدول الثلاث، وهذا ما جعلهم يستعجلون "الثورة" واهمين أن بمقدورهم تحقيق نفس النتائج أو أكثر.

وهنا لا يخلو دعاة هذا الطرح من مجانبة الواقع، فقد استخدم الإسلاميون في موريتانيا كل طاقاتهم إبان الحملة الرئاسية 2007،، واستخرجوا ورقة "الددو" في الأيام الأخيرة من الحملة، حين خصصوا له حصتهم المجانية في وسائل الإعلام الرسمية، ليتولى بنفسه مهمة الدعاية لمرشحهم آنذاك صالح ولد حنن، وقد صدم هؤلاء حين كشفت صناديق الاقتراع أن 7% فقط من الناخبين استجابت لنصيحة الشيخ الفاضل، وأثرت فيها دعاية الإخوان والمرشح أيضا.

والمفارقة هنا أن الخط البياني لنتائج الإخوان أخذ نزولا منذ العام 2006 حين حققوا أعلى نسبة من الأصوات في نيابيات نوفمبر، بدأوا بعدها في التراجع مرورا بنسبة الـ7% الآنفة الذكر، وانتهاء برئاسيات 2009 التي حصد فيها السيد جميل منصور 4%.

ويعرف الإخوان في اجتماعاتهم الخاصة أن هذه النسب وحدها لا يمكن أن تحرك الشارع، ولا أن تجني ثمار "ربيع موريتاني" مازال بعيد المنال، أو على الأقل يحتاج جهودا خارقة لا تتوفر حتى الآن لدى إخوان موريتانيا.

تناقضات مهلكة

تستوقف المراقبين لدعاية الإخوان "الثورية" اليوم مجموعة من التناقضات الغريبة في خطاب هؤلاء، لعل أبرزها صعوبة المواءمة بين الخطاب الثوري الجديد، والذي يدعو لتصحيح مسار البلاد، وبين الثناء المفرط على قيادات عربية تتناقض جذريا مع الطرح الثوري، ناهيك عن مباركة الغزو الصليبي لليبيا، والسكوت المشين على جرائم الناتو وأذياله في بلاد الشهيد الفاتح معمر القذافي.

فخلال الأسبوع الماضي وحده فوجئت الساحة السياسية -وبعض قيادات الإخوان- بكيل المديح والإطراء المبالغ فيه- من طرف شخصية روحية كبيرة في التيار الإخواني- لأمير قطر، والملك المغربي محمد السادس، لدرجة ذكر معها أن من يريد النجاة بنفسه من الأنظمة عليه الإقتداء بالملك المغربي، قبل أن يثني على الإمارة القطرية، التي لا يوجد فيها دستور، ولا برلمان، ولا صحافة مستقلة، ناهيك عن أن الطريقة التي وصل بها الأمير القطري للحكم لا يقرها شرع ولا دين.

***

ولعل التفسير الوحيد لهذا التناقض الصارخ في دعاية الإخوان المسلمين في موريتانيا يعود إلى سبب واحد هو الوصولية السياسية، التي تبرر الوسيلة مهما كانت سبيلا للوصول إلى الهدف، وهي قناعة جديدة بدأت تترسخ في أذهان الإسلاميين في موريتانيا والوطن العربي، وتقتضي -بالضرورة- رمي المبادئ خلف الظهر، والاستفادة من المتغيرات سبيلا للوصول إلى السلطة ولو تحت أجنحة طائرات الناتو، وفوق جماجم آلاف القتلى.

مواضيع مشابهة:

اضف تعليق


Security code
اعادة تنشيط

آراء حرة

خذ احدنا مكانه..!! / حبيب الله ولد أحمد

 يا أيها "العزيز"، تحرك من أجل إنقاذ روح المواطن الموريتاني الدر كي الصابر المحتسب، المعتقل لدى إرهابيي "قاعدة" السلب والنهب والسطو المسلح في "المغرب الإسلامي".alt

أيها "العزيز"، تقترب المهلة التي أعطاها "القتلة" لإطلاق سراح الدر كي اعل ولد المختار، مقابل الإفراج عن "إرهابيين" محتجزين في السجون الموريتانية من نهايتها..المهلة التي قالوا إنهم سيعدمونه بانتهائها في حالة عدم إطلاق سراح معتقليهم عندنا ،ونحن لا نريد أن نرى موريتانيا - أي موريتاني-  مذبوحا أو مقتولا بالرصاص، أو حتى مصابا بجرح، أو ندبة، أو لسعة بعوضة...

مواضيع مشابهة:

إني أشفق على سيادة الوزير.. !! / محمد الأمين ولد الفاضل

altأيها الوزير إني أشفق عليك، يغضب عليك الرئيس في مجلس الوزراء، ويطلب منك أن تكون أكثر قربا من المواطن فلا ترد، ولا تجد من الشجاعة لتقول له بأنك تحتاج لصلاحيات أكثر لتكون أقرب من المواطن..

أيها الوزير إني أشفق عليك فالمواطن أيضا يشتمك لأنه يسمع في كل حين بأن الرئيس قد طلب منك أن تكون أقرب من هموم المواطن، ومع ذلك فإن هذا المواطن يجدك قد ازددت بعدا من همومه.

مواضيع مشابهة:

خطباء الميدان.. / الدكتور: محمد إسحاق الكنتي

  alt حدث أبو معاذ، قال..

يكدح الناس أيام الأسبوع في كسب معاشهم، فتملأ الدنيا عليهم عالمهم.. ينشغلون بأمورهم الخاصة، ولا يفوتون، غالبا، الشأن العام المحلي، فيتابعون نقاش النواب في الجمعية الوطنية، حيث المواقف على خطي نقيض، وتصور الوقائع تبعا لذلك.. بالنسبة لنواب المعارضة البلد في أزمة خطيرة، والمستقبل مظلم، ولا مخرج من المأزق إلا على أيديهم.. ثم تسمع صوت نواب الموالاة يصقل الوجه المضيء للميدالية.. فتتساءل هل يتكلم الطرفان

مواضيع مشابهة:

المسرح والدعوة إلى التجديد(4) / عزيز العرباوي

 * alt تجديد النقد المسرحي :

لكل مدرسة نقدية في مجال المسرح ظروفها الخاصة التاريخية والعملية التي تفرض على المسرحيين ممارستها بحيث يندمج العمل النقدي في هذه الممارسة بالحاجة العملية فتصبح وجها أولياً من أوجه العلاقة بين النقد المسرحي وبين مختلف الفاعلين في العمل المسرحي. ولقد استفاد النقد المسرحي في تطوير مناهجه من  المنهجيات الحديثة في العلوم الإنسانية خاصة منها البنيوية والسيميائية والألسنية والتفكيكية، وأصبح أكثر تخصصاً من ذي قبل متجاوزاً المناهج الانطباعية والنفسية والاجتماعية والتاريخية، فإن ذلك قد انعكس بشكل كبير على مجمل التصورات لفن المسرح .

مواضيع مشابهة:

أوهام المعارضة في بلادنا / يحيى بن البيضاوي

altمصطلح المعارضة مصطلح حديث، تعود جذوره إلى عصور ازدهار الديمقراطيات الغربية، ولم يكن لهذه اللفظة مدلول  يذكر في ثقافتنا العربية والإسلامية، بل إن الألفاظ المستخدمة في المعاني القريبة من دلالة هذا المصطلح والتي  تشير إلى مناوأة الحاكم ظلت تُبوَّبُ تحت عنوان الخروج والتمرد على طاعة أولي الأمر، وعندما اضطرت شعوبنا إلى الأخذ بالنظم الديمقراطية،  كانت نظرتنا إلى المعارضة متخلّفة؛ حيث اعتبرناها

مواضيع مشابهة:

آخر التعليقات

  • كتاب: نشأة الأدب الحساني في بل...
    من المعروف أن تاريخ ماقبل الدولة المرابطية وبعدها لايوجد عنه إلا ما بني على الروايات الشعبية لقلة التدوين في السكان وعدم اهتمامهم به في ذلك العصر ومن وجد بعد ذلك من الكتاب خاصة في المنطقة لا يهتم إلا بتاريخ قبلته خاصة ولولا أن الدولة المرابطية لفتوحاتها كانت محط انظار المؤرخين من العرب والغرب لما وجد عنها شئ تلك حقيقة واقعة ونحن نجهل الكثير من التاريخ الموريتاني ا لقديم بسبب هذا وننتظر أن يظهر باحث مهتم يخلد تاريخنا دون تمييز .
    بواسطة فاطمة حم
  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    احمدالله ان جعل اهل الفيضة حاملو راية الدعوة الاسلامية السمحة وجزي الله الاخوة في موقع التيسير الثقافي علي جهودهم الطيبة الماركة في كل ميادين المعرفه وجزي سيف الطريقة عنا احسن الجزاء
    بواسطة الحاجي ولدداداه
  • عمدة المسلم الأواه في التوسل ب...
    الحمدلله والعبدلله جزاكم الله خيراوجزي شيخنا الفاضل سيف الطريقة الجامع بين الشريعة والحقيقة وزاده بسطة في كل شيى انه لشريف من شريف لافض فو ولافاز حاسدوه الحاجي
    بواسطة الحاجي ولدداداه