24 آب/أغسطس 2011
السبت 26 أيلول (سبتمبر) 2009
![]() |
المقامات نوع من الأدب الرفيع.. يشمل الكثير من درر اللغة وفرائد الأدب والتورية، والحكم والأمثال، والأشعار النادرة التي تدل على سعة إطلاع وعلو قدر.. تحمل في داخلها لونا من ألوان النقد أو الثورة أو السخرية..
تكون المقامات مسجعة ولا تخلوا من مفردات لغوية تتطلب معانيها الرجوع للمعاجم اللغوية..
وممن برع في فن المقامات قديما: بديع الزمان الهمذاني (358-395 هـ) و أبو محمد القاسم بن علي الحريري (446 - 516هـ)، ومن الشناقطة: العلامة اللغوي عبد الله العتق بن ذي الخلال اليعقوبي، والعلامة المؤرخ المختار ولد حامدن الديماني.
يندر وجود هذا النوع من الأدب في المحاظر الموريتانية، بل إن مقامة محنض بابا بن اعبيد الديماني -التي قال يعارض بها "مقامات الحريري" بمناسبة إتمامه لدرسها- تكاد تكون فريدة في بابها (الثقافة المحظرية).
نص مقامة محنض بابا:
"حكى المبرد عن الفراء، قال بينما نحن بمدارسنا الغراء، المبيحة يسر السراء، الجامعة أفنان الفنون بأصولها، المحيطة بأبوابها وفصولها، إذ دخل علينا الشتاء في برده الأغبر، ومعه جنده الأكبر، فتلقيناه بفاكهته، ورغبنا عن مفاكهته، لأنه رقم لوح الجو، ودن في صفائح الدو، وكتب باب الإعتكاف، وماض كافاته كاف، وجد في درسه، وقرن يومه بأمسه، إلا أنه لبس بعض التلبيس، يدوي ذلك التدريس، فأصبح الفقيه يصلي بكل كثيف، ولو لم يكن بنظيف، ويتنفل في الكنيف، وكاد يقصر الشاهد، ويصلي القادر وهو قاعد، واختار الصائم التدفي عن التبرد، والتدثر عن التهجد، واستباح الوصال، ولم يترقب الأسحار والآصال..
وغد الأصولي معلق الهموم، بتخصيص ما في البرد من العموم، يقيد مطلقه بظواهر يديه ولم يخرج إلى حيز التجلي، إلا إذا كان يصلي، ولا يسلك المسالك، ولا قدح عليه في ذلك..
والمحدث لا يروي إلا عن بن شهاب، ولا يروي إلا حديث «أيما إيهاب»، ويرجح الإرسال على الرفع، ولا يبالي بالافتراء والوضع، ويكره الإخرج، ويعجبه الإزدواج..
وأصبح النحوي مفترشا مذرويه، يفضل الكسائي على سبويه، ويرد الجر بالجوار، ويعجبه خرق الثوب بالمسمار، ويجزم بـ"بات وظل"، ويرفع بـ"ليت ولعل"، ويخلط في الشواهد، وينشد في الشاهد:
من يك ذا بت فهذا بتي== ليت وهل ينفع شيئا ليت.
ليت شبابا بوع فاشتريت == تنقض الرعدة في ظهيري
من لدن الظهر إلى العصير.
وقال البياني بمقتضى حاله، اللهم قنا شر البرد وأهواله، وأجهم هواءه، كأن لون أرضه سماءه بعكس تشبيهه من غير عار، ويستعير ولا يجد من مستعار، ويقعي جلوس البدوي المصطلي، وينشد للمشاكلة بيتها الجلي:
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه == قلت اطبخوا لي جبة وقميصا.
ويكني الكناية في قبة بن الحشرج، ويعجبه المعنى المدبج، ويغلب اللف على النشر، ويوري ولو بالعشر، ويردد بقدر الجهد، جنة البرد جنة البرد..
وأصبح اللغوي بادي الحصر والحصر، لا يعرف الصر من الصر، يتردد بين ضم الحبوة، وكسر الحبوة، ونسي أمثاله، إلا ضغثا على إباله، أصرد من الحرباء، ومن العنز الجرباء..
وغدا المنطقي في تصويره، مندرجا في عنوان غيره، يكره قضايا السلب، ويتنتج في مطالب السلب، وينفر عن جهة الانتشار، ويتشوق إلى التسوير بالأسوار، ويغتبط الصغرى، لاندراجها في الكبرى..
وغدا الكلامي يفتري، في شعاره الأشعري، ويود تغير البرد من حالة إلا حاله، ولو كان يستحيل لأحاله، يستطيل بقاءه، ويترقب فنائه، ويعجبه الجوهر المكنون، ويتمنى التحيز في الكانون، وتعجبه ملة إدريس، ولا يعيب نار المجوس، يؤمن بالحشر، وينكر النشر، وقد لبس الشتاء المسائل، وجمد كل فهم سائل، فلم تقاومه الأحبار الجهابذه، فما ظنك بالتلامذه..
فلما رأى القوم خافوا زمهريره، وتهيبوا صولته وهريره، أنشأ يقول، وقد شوش العقول:
أصبحت من خيلاء المجد في مرح==أجر فوق ربى الكثبان أذيال
أمش الهوينا قرير العين مبتهجا == أختال بين جنودي أي مختال
قد اذعنت لي ملوك الأرض واختضعت == وطأطأت بطل الأقيال أقيالي
تراهم إن أتى جندي لهيبته == ما بين مقتنص الأوصال أو صال
أطلت كل حوالي وحيلته == فليس ينفع مني حول محتال
ولست أخشى رماحا أو أهاب ظبا == أودى بشائكة الأبطال أبطالي
ولا أبجل ذاجاه لرتبته == ولا أعظم إلا العالم العال".


في عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.