10 تشرين2/نوفمبر 2011
يمثل الاعتراف قيمة لا غنى عنها للإنسان، الذي يشيد المعاني، ويبتكر القيم. ذلك أن الاعتراف هو الذي يعطي المعنى، ويحدد الشرعية. فاللغة، والقيم عبارة عن وضع تعارف الناس عليه، ومن ثم اعترفوا به. وتظل الأوضاع القائمة، الواقعية، فاقدة لشرعيتها ما لم يتم الاعتراف بها. فالطفل يمثل واقعة موضوعية، لكنه يظل فاقدا للشرعية، ما لم يعترف به والده. والقوة حالة موضوعية، قد تترتب عليها وقائع عينة، لا يمكن إنكارها، لكنها تظل فاقدة للشرعية ما لم يتم الاعتراف بها.
وفقدان الشرعية هذا يجعلها أوضاعا مؤقتة يمكن إزالتها، وفقا لموازين القوة، أو بقوانين الشرعية. لذلك، فإن القوة وحدها لا يمكن أن تكون مصدر شرعية.
ذاك ما فهمه الكيان الصهيوني، فعمل بجميع الوسائل، على اكتساب الشرعية عن طريق اعتراف ضحاياه بنتائج القوة التي مارسها عليهم، فاستخدم، وأعوانه، الدعاية الإعلامية، والتضليل الفكري، من خلال مصطلح تم الترويج له، بعد حرب رمضان، حين راجت مشاريع الاستسلام: الواقعية السياسية. وفسر المصطلح تفسيرا محكما، لا يقبل تأويلا: تعني الواقعية السياسية الاعتراف بالواقع، الذي نتج عن تفوق العدو الصهيوني، العسكري، والاعتراف بهذا الكيان ذاته، بصفته جزءا من تضاريس المنطقة. وتمت مصادرة تجارب التاريخ، وآفاق المستقبل، ومشروعية الحلم، لصالح جبرية الواقع! ألم يمكث المسلمون في الأندلس خمسة قرون، ثم أخرجوا منها؟ ألم يطرد الصليبيون من القدس، لأن المسلمين لم يعترفوا لحظة واحدة بذلك الاحتلال، وظلوا يحلمون بإزالته، حتى تحقق حلمهم؟ ألم يرفض المقدم شارل ديغول الاعتراف بهزيمة بلاده، التي وقع عليها المارشال بيتان، وظل يقاوم حتى حرر بلاده؟ إن تعداد التجارب، في هذا المجال يطول، لكننا اعترفنا.. بالكيان الصهيوني دولة مستقلة، وأقمنا معه علاقات علنية وسرية.. واعترفنا بحدود 67 سقفا لمطالبنا في أرض فلسطين.. واعترفنا بحق اللاجئين في تعويض عادل بسعر الدولار عام 48 و 67، وبذلك كنا واقعيين، وعقلانيين، فتخلصنا من أوهام الفكر القومي، الذي يريد رمي إسرائيل في البحر، وهو عاجز عن عبور قناة، ويريد تحرير فلسطين، كل فلسطين، وقد خسر سيناء، والجولان، والضفة!
كان الفكر القومي الحالم، العاجز، يرفض الاعتراف بالواقع، ويحلم بتغييره، ويعمل على تحقيق ذلك الحلم، فحورب من الداخل والخارج، عسكريا، واقتصاديا، وفكريا. لم يكن الفكر القومي يملك شيئا سوى الرفض، رفض شرعنة الواقع، المترتب على القوة، بالاعتراف به. كان يقول، بسذاجة الأطفال: ليس هناك شيء اسمه دولة إسرائيل، هناك كيان معاد نعمل على إزالته. كان يرفض الاعتراف بما نتج عن اتفاقية (سايكس بيكو)، فيقول، مستعيدا أحلام بسمارك: هناك أمة واحدة فرقها الاستعمار، وسنعيد توحيدها...
ثم سقط الفكر القومي، نتيجة عوامل يصعب حصرها، وجاء الليبراليون الواقعيون، العقلانيون، فانهالت الاعترافات، وقبضنا الثمن: سيناء، بشروط مذلة، وغزة في قفص يملك العدو مفتاحه، وكانتونات في الضفة نقيم عليها حواجز لحماية العدو من إرهابنا، وإسقاط صفة الإرهاب عن منظمة التحرير، فاقترح عرفات، رحمه الله، تسليم مسدسه أمام البيت الأبيض، في أول زيارة له، إلى الصديق الأمريكي. لكن العم سام رفض تسلم سلاح روسي عتيق.
ثم جاء دورنا، فدفعنا بسخاء، كما يفعل بعضنا في الملاهي. ولأن الصفقة كانت مربحة، بما يتجاوز الخيال، قرر الأمريكان، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، الدخول معنا في صفقة جديدة تعيد ترتيب أوضاع المنطقة بما يضمن تحقيق المصالح الأمريكية، فبحثوا عن قوى اجتماعية، وسياسية، يماثل وضعها وضع منظمة التحرير في التسعينيات؛ قوى تتوق إلى الاعتراف بها، ومستعدة لدفع الثمن، فكان الإخوان المسلمون المرشح الأمثل. كان الإخوان حركة سياسية جماهيرية رفعت شعارات داعبت مشاعر الناس، وأعطتهم الأمل في استعادة شيء من الكرامة المهدورة، والحق الضائع، خاصة بعد انهيار الفكر اليساري، وهزيمة المشروع القومي، فالتف الناس حول الحركة؛ مثقفون، ومؤمنون بسطاء، وهو ما عرضها لمزيد من الاضطهاد على يد القوميين، والليبراليين، بمباركة أمريكية. لكن حين عجز الأصدقاء عن حماية أمريكا من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، قررت الإدارة الأمريكية إبرام صفقة مع الإخوان تتضمن الاعتراف بهم، ونزع صفة الإرهاب عنهم، مقابل ثمن تم الاتفاق عليه...
دخل الإخوان والأمريكان في حوار، سمحت أمريكا بمقتضاه بدخول نواب من الإخوان إلى برلمانات دول صديقة لأمريكا. وبعد المراقبة تبين أنهم لا يشكلون خطرا على المصالح الأمريكية.. كانوا برلمانيين محترمين، كغيرهم، يتمتعون بامتيازاتهم،إلى أقصى الحدود، ويحرصون عليها (ترشح بعضهم في الانتخابات المصرية الأخيرة، رغم مقاطعة الحركة لها)، يتغيبون عن الجلسات، ويصوتون لصالح مشاريع القرارات، التي تتقدم بها الحكومة.. دخل الإخوان البرلمانات في دول تتعامل بالربا، وتشرع الخنا، والقمار، وتتاجر في الخمور، (أكد الغنوشي، بعد فوز النهضة في تونس أن الحركة ستحترم السياحة، وما بعد السياحة.. للقارئ أن يتصور ما بعد السياحة!)، وتطبع مع العدو الصهيوني، وتؤمن بالولاء الكامل لأمريكا، فلم يأمر نواب الإخوان بمعروف، ولم ينهوا عن منكر، سوى أن مصورة تلفزيونية اقتحمت عليهم أحد البرلمانات وهي تلبس (تيشرت)، فتضايق بعضهم من عريها، فثارت ثائرة العلمانيين واتهموهم بمحاولة "تطبيق أحكام الشريعة تحت قبة البرلمان"، وقد كانت التهمة كفيلة بإسكاتهم.. لم يكن يميزهم عن غيرهم سوى بقايا لحى، وآثار سجود...
وحين اطمأن الأمريكان إلى أن الجماعة تابت، و"حسن إسلامها"، قررت تسليمها المنطقة، وفقا للاتفاق، فجاء الربيع في غير أوانه، فكانت ثماره دماءً ودموعا، وتسعين نائبا لحركة النهضة، من أصل مائتين وسبعة عشر... وفت أمريكا بالتزاماتها في الصفقة، فجاء الدور على الجماعة لتفي بالتزامها بعلمنة الإسلام، وفقا للمثال التركي، فرفعت شعار الوسطية، والديمقراطية، والدولة المدنية، بدل شعار قديم، بدا طويلا: الله ربنا، والقرآن دليلنا، والرسول قدوتنا، والجهاد سبيلنا، والشهادة أسمى أمانينا... يبدو ذلك شبيها باستبدال الثالوث، بقواعد الإسلام الخمس... من هنا بدأت علمنة الإسلام...(يتبع)
نقلا عن موقع اقلام

في عام الدخان الذي جاء بعد عام الإحباط، زادت أوضاع الناس صعوبة، وواصلت الأسعار ارتفاعها وصعودها، ولم يرافقها في رحلة صعودها تلك إلا أعمدة دخان مسيلات الدموع، تلك الأعمدة التي شوهدت ـ أكثر من مرة ـ وهي تغطي سماء مدن وقرى لم تعرف سماؤها من قبل دخان مسيلات الدموع، كما شوهدت وهي ترتفع في أوقات السحر فوق منارة مسجد ابن عباس في سابقة هي الأولى من نوعها، على الأقل من حيث توقيت تصاعد الدخان.